مقالات علم نفس

الخيال وسيلة نجاة نفسية: ما تعلّمناه من زيزه وشجرة البرتقال

الخيال وسيلة نجاة نفسية: ما تعلّمناه من زيزه وشجرة البرتقال – حين يشتدّ الألم ولا يجد العقل وسيلة للهروب منه يبدأ في اختراع عالمٍ بديل يحتمي فيه ذلك العالم قد يكون حلماً أو خيالاً، وفي علم النفس يُنظر إلى الخيال بأنه أحد أعمق مظاهر الحياة النفسية، وليس ترفًا ذهنيًا أو هروبًا من الواقع كما يُظن غالبًا.
الخيال هو المساحة التي يخلقها العقل حين تضيق به الحقيقة؛ إنه ذلك العالم الموازي الذي يسمح لنا بفهم ما لا نستطيع مواجهته، واحتواء ما لا نقدر على احتماله.
فحين يعجز الواقع عن منحنا الأمان يقوم الخيال بدور “المنقذ الداخلي” الذي يرمّمنا من الداخل، ويعيد تنظيم مشاعرنا الممزقة.
وفي رواية شجرتي شجرة البرتقال الرائعة يقدّم لنا : “زيزه” نموذجًا خالصًا لهذا النوع من النجاة؛ طفل في الخامسة من عمره يستخدم الخيال كدرع نفسي يقيه من القسوة، ويحوّل الجرح إلى موسيقى هادئة تعزفها روحه حين يصمت الجميع.

في هذا المقال من نجوم الكتب نغوص في مفهوم الخيال كوسيلة دفاع نفسية، ونكتشف كيف يصبح الخيال في بعض الأحيان شكلاً من أشكال الشفاء العميق.

ففي لحظات الصدمة أو الوحدة يفعّل الدماغ آلياته الدفاعية المعقّدة: من الكبت إلى الإنكار لكنّ الخيال يقدّم شكلاً أكثر نضجًا من الدفاع: التسامي أي تحويل الألم إلى صورة فنية أو تجربة رمزية تتيح للإنسان النجاة دون أن يفقد وعيه أو إنسانيته، عندها يصبح الخيال في جوهره وسيلة نجاة نفسية وروحية تعيد للإنسان توازنه وتمنحه معنىً جديدًا لما يحدث.

الخيال آلية دفاع نفسي

يرى كارل يونغ أن الخيال وظيفة نفسية أساسية إذ يربط بين الوعي واللاوعي، ويتيح للإنسان التعبير عن ذاته الرمزية
أما سيغموند فرويد فاعتبره متنفسًا آمنًا للرغبات المكبوتة لكنه أيضًا أداة علاجية في التحليل النفسي.
من هذا المنطلق يعرف الخيال بأنه جسرًا بين ما هو واقعي وما هو ممكن بين الألم والمعنى.

في علم النفس التحليلي هناك ما يُعرف بـ آليات الدفاع النفسي (Defense Mechanisms) وهي الأساليب التي يستخدمها العقل اللاواعي لحماية نفسه من الصدمات والقلق والمشاعر المؤلمة. من بينها:

  • الإنكار : رفض الاعتراف بما يسبب الألم.
  • الإسقاط : رؤية ما في داخلنا على الآخرين.
  • الكبت : دفن الذكريات المؤلمة في اللاوعي.
  • التبرير : تزيين القسوة بتفسيرات منطقية.
  • التسامي : تحويل الطاقة السلبية إلى إبداع أو خيال أو فن، وهذا ما يظهر الخيال في أبهى صوره: تسامي الألم.

إذاً الخيال في علم النفس هو نوع من “التفريغ الرمزي” أي أن العقل يُعيد ترتيب الألم في قالب يمكن احتماله، فيخلق قصة أو رمزًا أو كائنًا يتحدث إليه وكلها طرق دفاعية فطرية تحفظ الاتزان النفسي وتمنع الانهيار.

نموذج زيزه في رواية شجرتي شجرة البرتقال الرائعة

زيزه… الطفل الذي صنع عالمه لينجو

ولعلّ أجمل تجسيدٍ أدبيٍّ لفكرة الخيال وسيلة نجاة نجده في رواية شجرتي شجرة البرتقال الرائعة للكاتب البرازيلي جوزيه ماورو دي فاسكونسيلوس التي يحكي فيها قصة الطفل زيزه الذي يعيش في فقرٍ قاسٍ مع عائلة لا تمنحه الحنان.
حيث اتخذ زيزه – في غياب الأمان الأسري – من شجرة برتقال صغيرة صديقةً يتحدث إليها كل يوم، ويشكو لها خوفه ووحدته وأحلامه؛ في ذلك الفضاء الصغير بين الطفل والشجرة وُلدت أكثر أشكال الدفاع النفسي نُبلًا: الخيال الواعي.

ذلك الحوار المتخيَّل بين الطفل والشجرة هو في الحقيقة حوار نفسي عميق بين وعيه ولا وعيه؛ بين حاجته للحبّ ورفض العالم من حوله له؛ إنها طريقة بديلة للبقاء دون أن ينهار. إذ حوّل زيزه قسوة الواقع إلى عالم رمزي يمنحه الإحساس بالسيطرة والدفء.

حين مات صديقه “بورتيغا” لم يجد زيزه سوى شجرته ليبكي عندها، وحين صمتت الشجرة… صمتت معه الطفولة.
هكذا يرمز الكاتب إلى أن الخيال الذي أنقذه يومًا هو نفسه الذي قاده إلى النضج لأن النجاة لا تلغي الوعي إنما تخلقه من رحم الألم.

فبدل أن يُنكر زيزه قسوته أو يقمع حزنه حوّله إلى لغة رمزية مع شجرته. لقد مارس آلية التسامي بصورة فطرية حوّل فيها الألم إلى تجربة إبداعية تحفظ التوازن وتسمح بالنجاة دون تشويه الذات.

الخيال علاج ذاتي للروح

حين نقرأ رواية شجرتي شجرة البرتقال الرائعة من هذا المنظور ندرك أننا لا نقرأ رواية عادية إنما دراسة عميقة في العلاج بالخيال.
فالعقل البشري حين يبتكر رمزًا يحاوره كأن يقول: “شجرتي تعرف كل شيء”، فهو يُرمّم علاقته بنفسه وبالعالم.
وهذا ما يسميه التحليل النفسي بـ التحويل الرمزي للألم أي تحويل المأساة إلى معنى.

ونحن في حياتنا الواقعية نفعل الشيء ذاته:
نرسم… نكتب… نحلم… نعزف موسيقى أو نغوص في كتاب لأننا نحاول النجاة بطريقة أكثر جمالًا وإنسانية.

اقتباسات رمزية من الرواية

“ألم يمنح الله الزهور لكل الناس؟”
“في قلبي عصفور يغني… لكن لا أحد يسمعه”
“كانت شجرتي تعرف كل شيء حتى حين كنت أصمت.”

كل عبارة من هذه الاقتباسات تكشف وعيًا مبكرًا لدى الطفل، ودهشة الخيال حين يتحوّل إلى وسيلة للبقاء.

إذاً الخيال في علم النفس هو غريزة بقاء راقية… هو الصوت الذي يهمس لنا حين نصمت، واليد التي تلتقطنا حين نسقط، وفي قصة زيزه نرى كيف يمكن لطفل صغير أن يعلّمنا درسًا في الشفاء: أن نحمي أنفسنا بالخيال لا بالإنكار؛
أن نحول الألم إلى معنى لا إلى كراهية.

في النهاية يبقى الخيال هو اللغة التي تترجم بها النفس ما لا يستطيع العقل قوله… إنه مساحة بين الألم والنجاة حيث يتعلم الإنسان أن يعيش مرتين: مرة في الواقع، ومرة في القلب.
وتمامًا كما فعل زيزه مع شجرته يمكن لكل واحد منا أن يجد داخله مساحة صغيرة للحديث مع ذاته… أن يجد شجرته شجرة برتقال رمزية تظلّ واقفة رغم العواصف.

وفي نجوم الكتب نرى أن الخيال مساحة يتنفس فيها القلب ليقول ما لا يجرؤ اللسان على قوله، فالخيال هو أصدق أشكال النجاة.

وللتوسع أكثر في فهم النفس والخيال ندعوك لقراءة مقالات وموضوعات مرتبطة :

حيث كل رابط منها يشكّل خيطًا ضمن شبكة الوعي في نجوم الكتب حيث يلتقي الأدب بعلم النفس في مساحة واحدة: الإنسان.

أسئلة شائعة الخيال وسيلة نجاة نفسية

ما المقصود بالخيال وسيلة نجاة نفسية؟

هو استخدام الخيال كآلية دفاع داخلية تساعد الإنسان على تجاوز الصدمات والتوترات.
بدل أن يهرب من الواقع أو ينكره يُعيد صياغته في شكل رمزي يمكن احتماله مثلما خلق زيزه عالمه الخاص مع شجرة البرتقال ليحتمي من قسوة الواقع.

هل الخيال نوع من الإنكار؟

الخيال يصبح إنكارًا حين يقطع الإنسان عن واقعه لكنه يصبح شفاءً حين يدمج بين الوعي والرمز.
الخيال الناضج لا يُلغي الواقع بل يمنحه معنى كما حدث في الرواية حين جعل زيزه من خياله وسيلة لفهم الحياة لا للهروب منها.

ما العلاقة بين الخيال وآليات الدفاع النفسي؟

الخيال يُعدّ من أعلى درجات آليات الدفاع الناضجة، ويُعرف في علم النفس باسم التسامي (Sublimation) حيث يتم تحويل المشاعر المؤلمة إلى إبداع أو فنّ أو فكرة بنّاءة.
بهذا الشكل يتحول الألم إلى طاقة إيجابية تُعيد للإنسان توازنه النفسي.

لماذا نعتبر زيزه نموذجًا في العلاج بالخيال؟

لأنه استطاع بالفطرة أن يفعل ما تفعله المدارس العلاجية الحديثة:
حوّل الخوف إلى حوار، والوحدة إلى صداقة رمزية، والألم إلى نضج. لقد مارس الطفل دون وعي ما يسمّيه العلماء “إعادة بناء العالم الداخلي عبر الخيال”.

هل يمكن أن يتحول الخيال إلى خطر نفسي؟

نعم، إذا انفصل كليًا عن الواقع وأصبح بديلاً له لكن في حالته الصحية – كما في الرواية – يكون الخيال مساحة توازن يعبّر فيها العقل عن ذاته دون أن يفقد صلته بالحياة.

مقالات مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *