
الغيرة العاطفية والمرضية: أسبابها وعلاجها بذكاء عاطفي – الغيرة العاطفية شعور إنساني قديم يرافق العلاقات منذ نشأة المجتمعات البشرية، وتعتبر من أكثر المشاعر الإنسانية تعقيدًا وتأثيرًا على العلاقات الشخصية. إنها شعور يمتزج فيه الحب بالخوف، والأمان بالتهديد مما يجعلها سلاحًا ذا حدين: قد تكون دافعًا للحفاظ على العلاقة، وقد تكون مدمرًا ينهيها تمامًا. على الرغم من أن الغيرة تُعتبر رد فعل طبيعي إلا أنها عندما تخرج عن نطاق السيطرة يمكن أن تتحول إلى حالة مرضية مسببة مشكلة نفسية وسلوكية خطيرة، واضطرابات نفسية واجتماعية تدمر العلاقات وتؤدي إلى خلافات عاطفية.
في هذا المقال نستعرض بتفصيل:
- أسباب نشوء الغيرة ومصادرها.
- الفرق بين الغيرة العاطفية الصحية والمرضية
- الفرق بين الغيرة عند المرأة والرجل.
- العلاقة بين الغيرة والشك والتعلق العاطفي، والذكاء العاطفي.
- النتائج السلبية والإيجابية للغيرة.
- النتائج النفسية والاجتماعية للغيرة.
- طرق علاج الغيرة والتغلب عليها وفقًا لعلم النفس.
- كما ندعم الشرح بآراء علماء النفس، وبأمثلة من كتب ودراسات متخصصة.
ما هي الغيرة العاطفية؟
الغيرة العاطفية هي استجابة انفعالية تنشأ عندما يشعر الفرد بتهديد على علاقته العاطفية سواء كان هذا التهديد واقعيًا لفقدان علاقة عاطفية مهمة أو متخيّلًا. لا تقتصر الغيرة على العلاقات الرومانسية فقط إنما تشمل العلاقات الأسرية والصداقات.
الغيرة في منظور علم النفس
الغيرة في جوهرها هي مزيج من مشاعر مثل الخوف والغضب والحزن والقلق، وانعدام الأمان هذه المشاعر قد تكون موجهة نحو شخص آخر (المنافس) أو نحو الشريك نفسه. وهذا ماعرفها به عالم النفس الأمريكي بول إيكمان بأنها: مزيج من مشاعر الغضب والخوف والحزن يظهر حين يشعر الشخص بأن علاقة مهمة له مهددة من طرف آخر.
ويرى سيغموند فرويد أن الغيرة ترتبط بصراعات لا واعية وجذورها تعود للطفولة خصوصًا العلاقة مع الوالدين. كما عرّفها عالم النفس ريتشارد لافازا بأنها: حالة عاطفية تنشأ من الشعور بالتهديد بفقدان شخص أو شيء مهم للشخص بسبب وجود منافس حقيقي أو متخيل
أما بيتر سالوفي يعتبر الغيرة “حارس الحب” لكنها قد تنقلب إلى “سارق السعادة” إذا لم تُدار بشكل صحي، وتوضح هيلين فيشر في كتابها Why We Love أن الغيرة متجذرة في الدوائر العصبية للدماغ، وتعمل كآلية دفاعي لحماية الروابط العاطفية.
أسباب الغيرة: جذور نفسية واجتماعية
تتعدد أسباب الغيرة بين عوامل نفسية واجتماعية وتربوية، فتنشأ الغيرة العاطفية من مجموعة متنوعة من الأسباب بعضها متجذر في تجارب الطفولة، والبعض الآخر يتعلق بالظروف الحالية للعلاقة:
- انعدام الأمان والثقة بالنفس
يعد انخفاض احترام الذات والشعور بعدم الكفاية من أبرز العوامل التي تؤدي إلى الغيرة. عندما لا يثق الشخص في نفسه فإنه يعتقد دائمًا أن شريكه يستحق شخصًا أفضل مما يجعله عرضة للغيرة من أي شخص يقترب من شريكه، وقد فاقمت وسائل التواصل الاجتماعي المشكلة حيث يقارن الشخص نفسه باستمرار بالآخرين.
- تجارب الطفولة المؤلمة
قد يكون الأطفال الذين عانوا من الحرمان العاطفي أو المقارنة بين الإخوة أو من فقدان أحد الوالدين أكثر عرضة للغيرة في علاقاتهم المستقبلية. يرى عالم النفس جون بولبي في نظرية التعلق أن أنماط التعلق غير الآمنة (القلق، التجنب) التي تتشكل في الطفولة تؤثر بشكل كبير على كيفية تعامل الأفراد مع العلاقات في الكبر مما يجعلهم أكثر غيرة وقلقًا.
- الخوف من الهجر والوحدة
الخوف من أن يتم تركهم أو استبدالهم هو دافع قوي للغيرة. هذا الخوف غالبًا ما يكون عميقًا وغير واعٍ، ويجعل الشخص يتعلق بشريكه بشكل مفرط و يراقب كل تحركاته.
- قلة الثقة في الشريك أو العلاقة
إذا كانت العلاقة مبنية على تجارب سابقة من الخيانة أو الكذب فإن الثقة تتزعزع، وتصبح الغيرة هي وسيلة الشخص للتأكد من عدم تكرار الماضي.
- العوامل الاجتماعية والثقافية
في بعض الثقافات تُعتبر الغيرة دليلًا على الحب والاهتمام مما يعزز هذا السلوك. هذا التصور الخاطئ يمكن أن يبرر السلوكيات المسيئة ويجعلها مقبولة اجتماعيًا.
أنواع الغيرة: ليست كلها متشابهة
الغيرة ليست شعورًا واحدًا بل تتخذ أشكالًا مختلفة يمكن تصنيفها بناءً على شدتها وأسبابها:
الغيرة الصحية البناءة
تُعرف بأنها “الغيرة الطبيعية” التي تحدث كرد فعل على تهديد حقيقي ومبرر. تكون هذه الغيرة معتدلة وتدفع الشخص للعمل على تحسين العلاقة مثل قضاء المزيد من الوقت مع الشريك أو التعبير عن الحب بشكل أفضل. تُظهر الدراسات أن مستوى معين من الغيرة يمكن أن يكون إيجابيًا للحفاظ على العلاقة.
الغيرة المرضية المدمرة
هذا النوع من الغيرة يكون مبالغًا فيه وغير مبرر، وغالبًا ما يكون نابعًا من انعدام الأمان الشديد. يتضمن سلوكيات مثل مراقبة الهاتف والتجسس على الشريك وتوجيه اتهامات مستمرة بالخيانة، والتحكم في تحركاته. هذا السلوك يسمى أحيانًا الغيرة الوهمية.
تعتبر هذه الحالة من الاضطرابات النفسية الخطيرة حيث يتخيل الشخص خيانة شريكه دون أي دليل ملموس. غالبًا ما تكون هذه الغيرة جزءًا من اضطراب نفسي أكبر مثل الفصام أو اضطراب الشخصية الحدية. الأشخاص المصابون بهذا النوع من الغيرة يكونون مقتنعين تمامًا بأوهامهم، وقد يلجأون إلى سلوكيات عنيفة أو خطيرة.
في كتاب “الغيرة: العاطفة الممنوعة” تشير المؤلفة هيلين فيشر إلى أن الغيرة المرضية ترتبط غالبًا باضطرابات نفسية مثل الوسواس القهري والاضطراب البارانويدي.
نتائج الغيرة: تأثيراتها السلبية والإيجابية
النتائج السلبية
- تدمير العلاقة
تعتبر الغيرة المرضية من أهم أسباب انفصال الأزواج، فسلوكيات التحكم والاتهام المستمر تقضي على الثقة والاحترام المتبادلين، وتجعل العلاقة بيئة سامة لا يمكن الاستمرار فيها.
- التأثير على الصحة النفسية
يمكن أن تؤدي الغيرة المفرطة إلى مشاكل نفسية مثل الاكتئاب والقلق والتوتر، وحتى نوبات الغضب. يشير الأطباء النفسيون إلى أن الغيرة المزمنة تؤثر على جودة حياة الفرد بشكل كبير، وتزيد من احتمالية ظهور أعراض جسدية مثل الصداع أو آلام المعدة.
- العنف والسلوكيات العدوانية
في بعض الحالات قد تتحول الغيرة إلى سلوكيات عنيفة سواء كانت لفظية أو جسدية. تشير بعض الإحصائيات إلى أن عددًا كبيرًا من حالات العنف الأسري والجرائم المتعلقة بالشرف تكون الغيرة أحد دوافعها الرئيسية.
حسب دراسة نشرتها مجلة Journal of Social and Personal Relationships أكدت أن العلاقات التي يهيمن عليها الشك المستمر تكون أكثر عرضة للانفصال بنسبة 60%.
النتائج الإيجابية
- تعزيز التواصل
عندما يتم التعبير عن الغيرة بشكل صحي يمكن أن تكون فرصة لفتح حوار صادق حول احتياجات كل طرف في العلاقة.
- التعبير عن الحب والاهتمام
يمكن لمستوى معتدل من الغيرة أن يُشعر الشريك بأنه مهم ومرغوب فيه مما يقوي الرابط العاطفي بين الطرفين.
الغيرة والحب: العلاقة المعقدة
يرى بعض علماء النفس أن الغيرة قد تكون في بدايتها انعكاسًا للحب إذ يشعر الإنسان بالخوف من فقدان شخص عزيز لكن الحب الحقيقي يقوم على الثقة والاحترام والحرية بينما الغيرة المفرطة شعور دفاعي قائم على الخوف مما يدمر تلك الأسس.
الحب = مشاركة + ثقة + انسجام.
الغيرة = خوف + سيطرة + مقارنة
يؤكد علماء النفس أن التخلص من الغيرة المفرطة يبدأ بتمييز الفارق بين الحب الحقيقي والحب الممزوج بالقلق. يرى سيغموند فرويد أن الغيرة ليست دليلًا على الحب بل على الأنانية والتمسك بالآخر كشيء نملكه بينما يشير إريك فروم في كتابه فن الحب إلى أن الحب الناضج يعني أن نمنح الآخر حرية أن يكون ذاته أما الغيرة فهي محاولة للسيطرة. الغيرة قد تحمل شيئًا من “الاهتمام” لكن عندما تتجاوز الحدود تتحول إلى قيد خانق يهدد الحب نفسه.
الغيرة عند المرأة: مشاعر عميقة وردات فعل مختلفة
ترتبط الغيرة عند المرأة غالبًا بالجانب العاطفي والوجداني حيث تشعر بالتهديد إذا أحست بأن شريكها قد ينجذب عاطفيًا أو وجدانيًا لامرأة أخرى. النساء عادةً يركزن على العاطفة والاهتمام لذلك فإن أي تغيير في لغة الجسد أو قلة تواصل، أو إهمال عاطفي يمكن أن يثير شعور الغيرة.
وتشير الدراسات النفسية إلى أن المرأة تميل إلى التعبير عن غيرتها بشكل مباشر عبر الحوار أو البكاء أو الملاحظات اللطيفة التي تحمل رسائل ضمنية بينما قد تصل في بعض الحالات إلى السلوكيات الدفاعية كزيادة الاهتمام بنفسها أو حتى الدخول في مقارنة مع الطرف الآخر.
الغيرة عند الرجل: التملك والخوف من الخيانة
الغيرة عند الرجل تأخذ غالبًا طابعًا مختلفًا فهي ترتبط أكثر بفكرة الملكية والخوف من الخيانة الجسدية. علماء النفس التحليلي يذكرون أن الرجل قد يرى في أي تقارب بين شريكته ورجل آخر تهديدًا مباشرًا لمكانته لذلك قد يظهر رد فعله في صورة غضب أو محاولة فرض السيطرة أو طرح أسئلة مباشرة.
لكن في المقابل بعض الرجال يترجمون غيرتهم إلى حرص زائد أو حماية مفرطة، وقد يخلطون بين الغيرة والحب الشديد مما يخلق صراعًا داخليًا بينهم وبين شركائهم.
الفرق بين الغيرة عند الرجل والمرأة
- المرأة تركز على الجانب العاطفي بينما الرجل يركز على الجانب الجسدي.
- رد فعل المرأة قد يكون أكثر هدوءًا أو غير مباشر بينما الرجل قد يميل لردات فعل أكثر حدة أو مواجهة.
- النساء يلجأن إلى التواصل اللفظي بينما الرجال غالبًا ما يظهرون سلوكًا فعليًا (رقابة، متابعة، أو محاولة سيطرة).
الغيرة والشك: متى تتحول الغيرة إلى أزمة؟
الغيرة العاطفية طبيعية في حدودها لكن حين تختلط بـ الشك المستمر فإنها تتحول إلى عامل مدمر للعلاقات. يرى علماء النفس أن الشك المتكرر دون وجود أدلة واقعية يعود إلى انعدام الأمان الداخلي أو تجارب سابقة مؤلمة.
الشك يقود إلى مراقبة الطرف الآخر، البحث في هاتفه أو حساباته، أو إسقاط مخاوف داخلية على العلاقة ما يجعلها سامة وصعبة الاستمرار
الغيرة والتعلق العاطفي
الغيرة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بموضوع التعلق العاطفي؛ الأشخاص الذين يعانون من تعلق زائد بالشريك غالبًا ما تكون غيرتهم أكبر لأنهم يشعرون أن سعادتهم وأمانهم النفسي مرتبطان بالكامل بوجود الطرف الآخر.
توضح النظريات الحديثة في علم النفس مثل نظرية التعلق أن الأشخاص ذوي التعلق القَلِق يكونون أكثر عرضة للغيرة والقلق المستمر من فقدان الشريك.
الغيرة والذكاء العاطفي
إن التعامل مع الغيرة يحتاج إلى قدر عالٍ من الذكاء العاطفي أي القدرة على الوعي بالمشاعر وإدارتها، والتعبير عنها بطريقة صحية. الأشخاص الذين يمتلكون ذكاءً عاطفيًا مرتفعًا يدركون أن الغيرة رسالة داخلية تشير إلى مخاوفهم، فيتعاملون معها عبر الحوار الصريح والتواصل الصحي بدلًا من الاتهام أو السيطرة.
هؤلاء الأشخاص يدركون أن الغيرة لا تعني بالضرورة فقدان الشريك إنما قد تكون فرصة لفهم الذات وبناء ثقة أكبر في العلاقة.
كيف تتخلص من الغيرة العاطفية؟
يتطلب التعامل مع الغيرة العاطفية عملًا جادًا على المستوى الفردي ومستوى العلاقة نفسها.
إليك بعض الاستراتيجيات الفعالة:
بناء الثقة بالنفس
هذه هي الخطوة الأهم في التخلص من الغيرة اعمل على تعزيز احترامك لذاتك من خلال
- تحقيق إنجازات شخصية
- ممارسة الهوايات التي تحبها
- التركيز على نقاط قوتك
- تذكر أن قيمتك لا تُحدد من خلال علاقتك بشخص آخر.
التواصل الصريح مع الشريك
- تحدث مع شريكك عن مخاوفك وقلقك بطريقة هادئة وبناءة بدلًا من توجيه الاتهامات
- عبر عن مشاعرك بأسلوب “أنا” مثل: “أنا أشعر بالضيق عندما تتحدث كثيرًا عن صديقك الجديد”.
تحديد جذور المشكلة
- حاول أن تفهم سبب غيرتك: هل هي مرتبطة بتجربة سابقة؟ هل هي بسبب انعدام الأمان؟
- كتابة الأفكار أو التحدث مع صديق موثوق يمكن أن يساعد في تحديد الأسباب الكامنة.
وضع حدود واضحة
اتفق مع شريكك على حدود معينة في العلاقة على سبيل المثال يمكن الاتفاق على عدم تصفح الهواتف الشخصية أو التوقف عن المزاح بطريقة تثير الغيرة.
طلب المساعدة من المختصين
إذا كانت الغيرة تؤثر بشكل كبير على حياتك أو علاقتك، فمن الضروري طلب المساعدة من معالج نفسي أو مستشار علاقات. يرى الدكتور آرون بيك مؤسس العلاج المعرفي السلوكي (CBT) أن الغيرة غالبًا ما تكون مرتبطة بأنماط تفكير سلبية يمكن تغييرها من خلال العلاج.
إحصائيات وأبحاث نفسية
أظهرت دراسة أجرتها جامعة فلوريدا عام 2013 أن حوالي 80% من النساء و 70% من الرجال يعترفون بالشعور بالغيرة في علاقاتهم. يقول عالم النفس ديفيد بوزينسكي “الغيرة هي حارس العلاقة، ولكن إذا كان الحارس مجنونًا فسوف يقتل العلاقة التي يفترض أن يحميها.” هذا القول يلخص فكرة أن الغيرة يمكن أن تكون مدمرة إذا تجاوزت الحدود.
كتب تناولت الغيرة العاطفية في علم النفس
سلطت العديد من الكتب والدراسات الضوء على الغيرة العاطفية كموضوع نفسي واجتماعي مهم من أبرزها:
- “Jealousy: The Other Side of Love” للدكتور Peter Toohey، الذي يشرح كيف يمكن للغيرة أن تكون جانبًا إيجابيًا أحيانًا.
- “The Psychology of Jealousy and Envy” لـ Peter Salovey، والذي يعتبر مرجعًا أكاديميًا عن الغيرة والفرق بينها وبين الحسد.
- “Why We Love” لـ Helen Fisher، الذي يربط بين مشاعر الغيرة والدوائر العصبية في الدماغ المسؤولة عن الحب والتعلق.
- أبحاث سيغموند فرويد حول الغيرة المرضية وربطها بالصراعات اللاواعية والتجارب الطفولية.
خلاصة القول الغيرة العاطفية شعور طبيعي لكنه يحتاج إلى إدارة صحية. فهي قد تكون “جرس إنذار” لحماية الحب، أو “قنبلة موقوتة” تدمر العلاقة إذا لم تُضبط. وللتغلب عليها لا بد من:
- الوعي الذاتي.
- الثقة المتبادلة.
- التواصل الصريح.
- تعزيز الذكاء العاطفي.
فالغيرة العاطفية هي تجربة إنسانية عالمية، ولكن طريقة التعامل معها هي التي تحدد تأثيرها على حياتنا. بفهم أسبابها والعمل على تطوير الذات وتعزيز الثقة في العلاقات يمكن تحويل هذا الشعور المعقد من قوة مدمرة إلى دافع إيجابي لتقوية الروابط الإنسانية.



