مقالات علم نفس
التريند

النوستالجيا بين الدفء والألم: كيف يفسرها علم النفس العاطفي؟

النوستالجيا بين الدفء والألم: كيف يفسرها علم النفس العاطفي؟ – بهذا السؤال نفتتح مقالتنا لكن قبل أن نخوض في تفاصيل علم النفس لنقف عند عبارة تلخص التجربة الإنسانية بأبسط صورها:

“الشتاء بارد على من لا يملكون الذكريات الدافئة لكنني أظنه أبرد على من يمتلكونها دون أصحابها”

اقتباسٌ يبدو للوهلة الأولى شعريًا لكنه في جوهره مفتاح لفهم واحدة من أعقد المشاعر الإنسانية: النوستالجيا أو الحنين. تلك الحالة التي تجعلنا نتقلب بين دفء اللحظة الماضية وألم الغياب الحاضر. نحن نلجأ للذكريات كمن يلوذ ببطانية في ليلة قارسة لكن ما يحدث أحيانًا أن البطانية نفسها تذكّرنا ببرودة الفقد.

ومن هنا يبدأ سؤالنا المركزي: لماذا تحمل الذكريات وجهين متناقضين؟ وكيف يفسر علم النفس العاطفي هذا التناقض بين الدفء والألم؟

النوستالجيا في علم النفس : أكثر من مجرد حنين

إن كلمة “نوستالجيا” تعود إلى جذور يونانية تعني ألم العودة. في بدايتها لم تكن تحمل معنىً شاعرياً إنما استُخدمت تشخيصًا طبياً لوصف حالة الجنود الذين أصيبوا بمرض غامض من شدة الحنين إلى أوطانهم. لكن مع الوقت تحولت الكلمة إلى رمز لحالة إنسانية أوسع: خليط بين الشوق والدفء والحزن، وبين الامتنان للماضي والفراغ في الحاضر.

النوستالجيا ليست مجرد استعادة للماضي إنما هي اختبار للحاضر عبر مرآة الذاكرة، فنحن عندما نتذكر لحظة سعيدة نكون في الحقيقة نواجه غيابها الآن. وهذا ما يجعلها متناقضة: تواسينا وتجرحنا في الوقت ذاته.

إذاً النوستالجيا هي تجربة عاطفية معقدة تضعنا دائمًا أمام مفارقة: هل الماضي يواسي حاضرنا أم يضاعف قسوته؟

كيف ترتبط الذاكرة بالعاطفة؟

يوضح علم النفس العاطفي أن الذكريات ليست مجرد أرشيف جامد مخزن في الدماغ إنما هي تجربة حيّة تعيش داخلنا بكل تفاصيلها. مثلاً عندما نسترجع لحظة قديمة نحن لا نتذكرها كصورة محايدة بل نعيد معايشتها كما لو أننا هناك من جديد.

فنحن عندما نستحضر ضحكة صديق أو دفء حضن لا يقتصر الأمر على استرجاع صورة عابرة في الذهن. هذا الاستحضار يدخل الدماغ في عملية معقدة تُشغِّل منطقتين أساسيتين معًا:

  • الحُصين (Hippocampus) الذي يتولى مهمة تخزين وتنظيم الذكريات،
  • واللوزة الدماغية (Amygdala) التي تُضفي على كل ذكرى شحنتها العاطفية من حب أو خوف أو حنين.

هذا التفاعل المزدوج يجعل التجربة حية بكامل تفاصيلها: نسمع الضحكة ونشم رائحة المكان، ونكاد نشعر بحرارة اللحظة كما لو أنها تتكرر الآن.

دور النواقل العصبية في تجربة النوستالجيا

حين نسترجع ذكرى قديمة لا يقتصر الأمر على تشغيل مناطق معينة من الدماغ فقط بل تدخل الكيمياء العصبية في المشهد لتحدد طبيعة ما نشعر به. فالعاطفة التي ترافق الذكرى ليست مجرّد إحساس عابر إنما هي نتيجة لتفاعل معقّد بين عدة نواقل عصبية:

  • الدوبامين (Dopamine): عندما نستذكر لحظة سعيدة أو إنجازًا مهمًا يرتفع مستواه، فيمنحنا إحساسًا بالمتعة والمكافأة. لهذا نشعر أحيانًا بانتعاش قصير عند استدعاء مشهد جميل من الماضي.
  • السيروتونين (Serotonin): يعرف بهرمون المزاج، وهو المسؤول عن إحساسنا بالاستقرار العاطفي. ارتفاعه أثناء الذكريات الدافئة يجعلنا أكثر هدوءًا وطمأنينة بينما انخفاضه يفسّر ارتباط النوستالجيا أحيانًا بمشاعر الحزن.
  • الميلاتونين (Melatonin): هرمون النوم الذي يتأثر بالضوء والليل. ارتفاعه في فترات الظلام والشتاء يجعل الذهن أكثر ميلًا للاستغراق في الذكريات خاصة في لحظات العزلة والصمت.

هذا المزيج العصبي هو ما يفسر تناقض النوستالجيا: فقد تمنحنا في لحظة شعورًا بالسكينة والتوازن لكنها في لحظة أخرى تفتح الباب واسعًا أمام الألم والوحدة، فكل شيء يعتمد على السياق النفسي الذي نعيش فيه وقت استدعاء الذكرى.

النوستالجيا: متى تكون علاجًا ومتى تتحول إلى ألم؟

كما وجدنا أن النوستالجيا ليست شعورًا ثابتًا؛ فهي أشبه بعملة ذات وجهين: أحيانًا تأتي كعلاج نفسي يرمم ما يكسره الحاضر، وأحيانًا تتحول إلى جرح يعيد نزف الفقد.

النوستالجيا كعلاج

عندما نستعيد ذكرى جميلة مع من نحبّ يرتفع الدوبامين والسيروتونين في الدماغ فنشعر بالطمأنينة. في تلك اللحظة الحنين يعطينا قوة خفية يعيد لنا الإحساس بالهوية والاستمرارية، ويذكّرنا أننا عشنا لحظات تستحق الامتنان. لذلك يرى بعض الباحثين أن النوستالجيا يمكن أن تساعد على التغلب على الوحدة وتعزيز الروابط الاجتماعية (المصدر). كما اعتمد بعض الأطباء النفسيين على النوستالجيا كوسيلة لتعزيز الصمود العاطفي وتخفيف القلق،

النوستالجيا حين تصبح ألمًا

إذا ارتبطت الذكرى بغياب شخص لم يعد موجودًا أو فرصة ضاعت بلا عودة. عندها يتضاعف الشعور بالوحدة لأن الدماغ يقارن بين ما كان وما هو كائن. عندها تتحول الذكرى إلى مرآة قاسية تعكس الفراغ بدل أن تملأه، ولهذا يرتبط الحنين عند البعض بالاكتئاب أو العزلة.

هذا التناقض يفسّر لماذا يحب بعض الناس استعادة ذكريات الماضي في الأوقات الصعبة بينما يتجنبها آخرون تمامًا لأنها تزيد ألمهم. النوستالجيا – ليست حيادية – تتشكل حسب حاضرنا وحاجاتنا العاطفية.

الحنين الإيجابي والحنين السلبي

تميّز الدراسات الحديثة في علم النفس العاطفي بين نوعين من النوستالجيا: إيجابية وسلبية. والفرق بينهما لا يكمن في الذكريات نفسها إنما في السياق النفسي الذي نعيش فيه لحظة استدعائها.

الحنين الإيجابي

يظهر عندما تساعدنا الذكريات على استعادة القوة والطمأنينة. نتذكر لحظة نجاح أو لقاء دافئ، أو حتى أغنية قديمة فتنشط بداخلنا مشاعر الامتنان والانتماء. هذا النوع يعزز الثقة بالنفس ويخفّف من القلق، ويجعلنا أكثر استعدادًا للتواصل مع الآخرين .. إنه الوجه العلاجي للنوستالجيا.

الحنين السلبي

يحدث عندما تتحول الذكرى إلى مقارنة مؤلمة بين الماضي والحاضر. فبدلاً من أن تمنحنا العزاء تكشف لنا الفراغ الذي نعيشه الآن. فتجعلنا نشعر بأننا فقدنا أشخاصًا أو فرصًا لن تعود. هذا النوع يضاعف الوحدة، وقد يقود إلى الانسحاب الاجتماعي أو الاكتئاب.

المثير في الأمر أن الذكرى نفسها يمكن أن تكون إيجابية لشخص وسلبية لآخر، أو حتى للشخص نفسه في أوقات مختلفة. أغنية قديمة مثلاً قد تملأ قلبًا بالسعادة بينما تبعث في قلب آخر ألمًا مضاعفًا. وهذا ما يجعل النوستالجيا حالة شخصية جدًا متغيرة بتغيّر حاضرنا العاطفي.

لماذا تزداد النوستالجيا في الشتاء والليل والعزلة؟

إن الحنين لا يظهر دائمًا بالصدفة جيث يلاحظ كثيرون أن الذكريات تتدفق في الشتاء أو خلال ليالي الوحدة، أو في لحظات الصمت الطويل ففي:

  • الشتاء: قلة ضوء الشمس تؤثر على كيمياء الدماغ حيث ينخفض السيروتونين ويرتفع الميلاتونين فنصبح أكثر ميلاً للحزن والتأمل. البرد والهدوء الخارجي يفتحان مساحة لمشاعر داخلية تتدفق بلا حواجز.
  • الليل: مع انطفاء الضوضاء وانشغال العالم بالنوم يجد العقل وقتًا فراغيًا يتسرب إليه الماضي. ففي الصمت الليلي تصبح الذكريات أكثر وضوحًا كأنها صور تنعكس على جدار مظلم لا يشوشه شيء.
  • العزلة: تضخّم الوحدة الإحساس بالفراغ، والدماغ بطبيعته يبحث عما يملأه. فيستحضر لحظات دفء قديمة لتعويض غياب الحاضر لكن هذه العملية قد تكون سيفًا ذا حدين: أحيانًا تمنحنا عزاءً، وأحيانًا تزيد من شعورنا بالوحدة.

هذه العوامل مجتمعة تفسر لماذا تزداد النوستالجيا في ليالي الشتاء الطويلة، ولماذا ترتبط مواسم معينة بالذكريات أكثر من غيرها. النوستالجيا هي انعكاس لتفاعل معقد بين البيئة الخارجية والكيمياء الداخلية للإنسان.

الأدب والفلسفة: الوجه الآخر للنوستالجيا

منذ قرون حاول الأدباء والفلاسفة الإمساك بهذا الشعور الغامض الذي يجمع بين الدفء والألم. النوستالجيا – ليست مادة علمية فقط – هي تجربة إنسانية عميقة وجدت صداها أيضاً في الروايات والقصائد والفكر الفلسفي.

في الأدب العربي

كتب نزار قباني أن الحنين إلى من لا يعود عذاب ليصوّر الحنين كجسر جميل لكنه مقطوع أما محمود درويش فقد جعل من الذاكرة وطنًا مسكونًا بالغياب يفتح على القارئ أسئلة عن الحاضر أكثر مما يفتح على الماضي.

في الأدب الغربي

جون كيتس في قصائده عن الخريف والشتاء صوّر الفصول كرموز للذبول والانطفاء لكنها أيضًا لحظة تأمل عميق في معنى الزمن، وفي نصوص شكسبير نجد تلميحات إلى الذكريات كقوة لا تقل عن الحاضر في شدّ الإنسان أو جرحه بينما يرى دوستويفسكي أن الذكريات هي أثقال وجودية تحمل الحب والذنب معًا.

في الفلسفة

تحدث هايدغر أيضاً عن الحنين كحنين إلى “إمكانية ضاعت”، ووصف كامي الحنين بالمرآة العبثية التي تضعنا أمام سؤال المعنى.

هل يمكن أن ندفئ الذكريات؟

إن النوستالجيا هي تجربة وجودية تكشف هشاشتنا وعمقنا في آن واحد. فهي قادرة على أن تمنحنا لحظة عزاء ودفء لكنها في الوقت نفسه قد تجرّحنا بغياب من كانوا معنا. هي الوجه المزدوج للذاكرة: شمعة تُنير ليلنا، وسهم يعيد فتح جراحنا.

ومع ذلك لا يجب أن نرى فيها عدوًا، فالذكريات التي تؤلمنا هي نفسها التي تؤكد أننا عشنا .. أحببنا، وتركنا في هذا العالم بصمة وجدانية. وما يجعلها تحتمل هو قدرتنا على تحويلها من صمت داخلي إلى حكاية تُروى: في كتابة أو أغنية، أو حتى في جلسة صادقة مع من يشاركوننا الحاضر.

ربما لا نستطيع استعادة الوجوه ولا إعادة الزمن لكننا نملك أن نحافظ على حرارة الحكاية في قلوبنا، وهكذا يصبح الحنين رغم قسوته جسرًا يربط بين من كنّا ومن صرنا، وبين ما فقدناه وما لا يزال ينتظرنا.

وربما يكون دورنا في نجوم الكتب أن نمنح هذه الذكريات مساحة للبوح والتأمل لتتحول من عبء صامت إلى نافذة تمنحنا معنى ودفئًا جديدًا.

فهل نستطيع تدفئة ذكرياتنا؟ ربما الإجابة ليست في الماضي لكن في الطريقة التي نعيش بها حاضرنا الآن.

أسئلة شائعة

هل النوستالجيا مجرد حنين رومانسي أم آلية دفاع نفسي؟

تُعد النوستالجيا في علم النفس آلية للتكيف، فهي تساعدنا أحيانًا على مواجهة ضغوط الحاضر بتذكيرنا أن الحياة كانت مليئة بالمعنى والجمال لكنها إذا علقت بالغياب والفقد تتحول إلى عبء يزيد من العزلة.

هل الذكريات تمنحنا هوية أم تقيّدنا بالماضي؟

الذكريات تصنع خيط الاستمرارية في حياتنا لكنها قد تصبح قيودًا حين نعيش داخلها بدل أن نستفيد منها لبناء حاضرنا. التوازن بين الاستحضار والمضيّ قُدمًا هو ما يمنح الهوية قوتها.

لماذا نشعر أحيانًا أن الذكريات أكثر واقعية من اللحظة التي نعيشها الآن؟

لأن الذكرى تمر عبر “فلترة عاطفية”: الدماغ يحتفظ بما هو مشحون بالمعنى، ويهمل التفاصيل العادية. لذلك قد تبدو لنا اللحظة الماضية أوضح وأكثر عمقًا من واقعنا الراهن.

هل النوستالجيا دليل على الحب أم على الفقد؟

كلاهما, الحنين يؤكد قوة الرابط العاطفي الذي عشناه لكنه في الوقت نفسه يكشف الجرح الناتج عن غيابه. إنها مشاعر مزدوجة تضعنا بين الامتنان والألم.

هل النوستالجيا وسيلة للهروب من الحاضر أم محاولة لفهمه؟

الحنين ليس مجرد هروب هو أداة يستخدمها الدماغ لإعادة تفسير الحاضر عبر الماضي أحيانًا يخفف الضغط النفسي، وأحيانًا يكشف الفراغ العاطفي الذي نعيشه.

هل يمكن للنوستالجيا أن تمنح معنى جديدًا لحياتنا؟

نعم، إذا تعاملنا معها كقصة تُروى لا كجرح يُستنزف. إن تحويل الذكريات إلى كتابة أو فن أو مشاركة إنسانية قد يحوّلها من عبء إلى مصدر قوة ومعنى.

مقالات مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *