خواطر

حديث القلب (4): ما بعد الفقد

حديث القلب (4): ما بعد الفقد – صمت الغياب

في كل حبٍّ ينتهي… يولد نوعٌ جديد من الصمت…
صمتٌ لا يُشبه الحزن بل هو امتدادٌ له.
ذلك الوجع الذي لا يُرى لكنه يسكن الملامح ويُثقِل القلب حين يبتسم.

ما أقسى أن تفقد من كان وطنك…
أن تستيقظ على الغياب بعدما كان حضورُه عادتك اليومية…
أن تعيش معلّقًا بين الرجاء والذاكرة…
تُخفي الوجع خلف ثباتٍ متعب، وتنتظر إشارةً لا تأتي.

هذه الخاطرةُ لكل من ذاق الفقد…
لكل من لا يزال ينتظر رغم إدراكه أن لا عودة…
هي نجاةٌ مؤقتة من وجعٍ لا يريد أن يُشفى.

ليس الفقد دائمًا موتًا…
أحيانًا يكون غيابًا مُتعمّدًا من قلبٍ ما زال حيًا فينا…
نراه في الذكريات… نسمعه في الأغاني…
ونحادثه في خيالٍ لا ينطفئ.
هو ذلك النوع من الغياب الذي لا يُشبه النهايات…
غيابٌ يُشبه الانتظار الطويل على عتبة رسالةٍ لن تصل.
ومن هنا… تبدأ الحكاية…

مرحبًا…
هل تراك بخير؟
أم أن الغياب ثقيلٌ عليك كما هو عليّ؟
أكتب إليك لأتنفّس…
فالصمت منذ رحيلك صار كغصّةٍ لا تذوب…

لم نتفق على النهاية… ولم نتقن الوداع…
تركنا الحكاية في منتصفها…
كجملةٍ ناقصةٍ في كتابٍ لم يُكمل أحد قراءته.
ومنذ ذلك الحين… وأنا أعيش في منطقةٍ رماديةٍ بين البقاء والرحيل…
أشبه انتظارًا طويلًا لا يصل إلى أي محطة.

وتمضي الأيام… لكنها لا تمضي في داخلي.
كل شيءٍ ما زال كما تركته:
صورتك في الذاكرة… رسائلك المؤرشفة في الهاتف…
ضحكتك العالقة بيني وبين المسافات…
وصوتك الذي يزورني كلما سكت العالم.

أشتاقك بطريقةٍ مرهقة…
لا تشبه الحنين… تشبه المرض الذي لا يريد الشفاء.
أراك في الوجوه… في الأغاني… وفي الطرق التي مررنا بها..
وأتظاهر بالتماسك…
بينما داخلي يغرق في فراغٍ لا يُملأ إلا بك.

ما زلت أفتقدك حتى في لحظات الضحك…
كأن هناك شيئًا ناقصًا في كل مشهدٍ جميل…
كأن العالم فقد توازنه منذ غيابك…
أجلس ليلاً أمام النافذة…
أترقّب إشارةً… كلمةً… أو حتى صدفةً عابرة تعيدك نحوي…
ولا تأتي…
لا أعلم إن كنت تتجاهلني… أم أنك تعلم أني ما زلت هنا وتخشى أن تضعف!!

الفقد ليس نسيانًا… ولا تجاوزًا…
هو أن تظل معلّقًا بين ما كان وما لم يعد…
أن يظل جزءاً منك يعيش هناك… في زمنٍ توقف عند اسم من تحب…
أن تنام كل ليلةٍ على أملٍ صغيرٍ… أملٌ بأن يستيقظ الصباح وفيه عودة…
وفي كل مرةٍ يمرّ الصباح دون عودة… يموت شيء صغير فيّ ثم يُبعث من جديد بالذكرى.

أحبك رغم كل ما لم يعد…
رغم هذا البعد الذي صار بيننا وطنًا من صمت…
لا أريد الشفاء…
فمن قال إن التعافي من الحب نصر!!
أنا فقط أريدك… كما كنت… كما كنتَ تفعل… كما كنا نحن…

وأمنيتي…
ألا تنساني…
أن تحفظ ما كان بيننا كما يُحفظ السرّ في أعماق القلب… لا يبهت مع الأيام ولا يضيع في الزحام…

أن تذكر كل تفاصيلنا الصغيرة… ضحكاتنا… خوفنا… أحاديث الليل الطويلة…
و أن أبقى في حياتك كذكرى دافئة… تمرّ بخاطرك فجأة.. تلين لها ملامحك بابتسامةٍ لا تعرف سببها…
ابتسامةٌ… ولو للحظةٍ واحدةٍ فقط…هذا ما يكفيني…

“ما بعد الفقد ليس نسيانًا… حياةٌ معلّقةٌ بين الرجاء والذكرى… ننتظر فيها ما نعلم أنه لن يعود، ومع ذلك لا نتوقف عن الانتظار”

في نجوم الكتب نكتب هذه الكلمات من صميم القلب…
نكتبها بلسان كل من فقد من أحبّه، وما زال حيًا في التفاصيل…
لكل من يفتح هاتفه ليرى اسمًا لا يتصل به… ولكل من ينتظر بلا أمل لكنه لا يملك سوى الانتظار.
هذه الخاطرة هي الجزء الرابع من سلسلة حديث القلب التي بدأناها بـ الحب والاشتياق
ثم الحب حين يربك المنطق… و الحب والفقد
حتى وصلنا إلى هنا… إلى ما بعد الفقد – صمت الغياب
على أمل أن نختم الرحلة قريبًا مع الجزء الخامس والأخير:
حديث القلب – حين يصالح القلب الذاكرة.

فالقلب الذي أحب بصدق لا ينسى… بل يتعلّم كيف يحبّ بصمتٍ دون أن يخون الذكرى.

مقالات مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *