
بين جدار الخوف وجدار الوجع – خاطرة ليلية عن المسافة التي يتركها الخوف… ويملؤها الوجع.
كان بينهما شيء لا يُسمّى
يشبه الارتباك حين يلتقي الحنين بالصمت.
لم يفترقا… لكن شيئًا ما تساقط بينهما بهدوءٍ مريب
كضوءٍ انطفأ ولم يلحظه أحد.
كانت المسافة تكبر دون أن تُقاس
والكلمات تتناقص حتى صار الحديث رفاهية
وصار القرب مجرّد عادةٍ خائفة من نفسها.
لم يخطئ أحد، ولم يَخُن أحد
لكن الخوف أقام في عينيه
والوجع اختبأ في قلبها
وبينهما وُلدت جدران لا تُرى
تفصل الحلم عن الحقيقة… والروح عن الطمأنينة.
وهناك… خلف تلك الجدران بدأت الحكاية…
لم أكن أطلب منك شيئًا.
لا وعدًا… ولا حضورًا دائمًا… ولا أن تحمل عني ثِقل العالم.
كنت أطلب فقط أن تبقى كما كنت…
قريبًا كما اعتدتك… دافئًا كما عرفتُك… صادقًا كما أحببتك.
لكن شيئًا ما تغيّر في ملامحك دون أن تقول كلمة.
صرتَ غريبًا قليلاً، وكأنك تبتعد لتختبئ في مكان لا أعرفه.
لم ألحّ عليك… ولم أسألك كثيرًا… كنت أرى التعب في عينيك
تلك النظرة التي لا تخون لكنها أيضًا لا تطمئن.
أعرف أنك لم تهرب مني.
أعرف أن خوفك لم يكن مني… خوفك كان من الحياة ذاتها
من مجتمعٍ يحمّلك أكثر مما تستطيع
من أيامٍ تسرق منك الحلم والسكينة
من فكرة أن الرجولة تعني الصمت حتى حين ينهشك القلق.
لكنّي كنت هناك… أراك تتراجع خطوة خطوة
وأنا أُبقي الباب مفتوحًا على أمل أن تعود.
كنت أحفظ صوتك في ذاكرتي
كمن يحتفظ بضوءٍ صغيرٍ من قنديلٍ انطفأ منذ زمن.
ما أوجع أن ترى الحُبّ لا يموت…
لكن يفقد لونه شيئًا فشيئًا
أن تلمس نفس اليد…
لكن الدفء غاب عنها.
أن يظلّ الاسم نفسه في الذاكرة…
لكن الإحساس به تغيّر تمامًا.
لم يكن في ابتعادك قسوة بل حذر.
ولا في وجعي ضعف بل صدق.
كنا نحبّ… لكن العالم بيننا كان أقوى منّا.
اليوم لا ألومك…
ولا أعاتبك على الصمت الذي صار بيننا جدارًا.
أعرف أن الخوف كان رفيقك
وأنك ابتعدت عن وجعي لأنك لم تعرف مداواته.
لكن ما لم تفهمه هو أني لم أُرِد منك شيئًا سوى البقاء
لم أُرِد دعمًا ولا وعودًا…
كنت أريد أن أشعر أنك ما زلت تؤمن بنا…
حتى لو سقط العالم حولنا.
الآن… بيني وبينك مسافة لا تُقاس بالأمتار
بل باللحظات التي لم نقل فيها شيئًا.
أحمل وجعي بهدوء… كما يليق بامرأةٍ أحبت بصدق
وأنت تحمل خوفك كما يليق برجلٍ أرهقته الحياة قبل أن تهزمه.
لكنّ الحقيقة التي لا يبددها الصمت هي:
أننا خسرنا أنفسنا ونحن نحاول ألا نخسر بعضنا.
“لم تتركني لأنك لم تعد تحبني…
بل لأن خوفك أصبح أقوى من حبك لي.”
وفي آخر الحكاية …
لا ينتصر أحد… ولا يُهزم أحد.
يبقى الخوف في مكانه، ويهدأ الوجع قليلًا
لكنّ شيئًا من الحنين يظلّ حيًّا… لا يُشفى ولا يموت.
ربما لا نملك أن نعيد ما كان
لكننا نملك أن نكتب عنه…
أن نحكي وجعنا حتى يخفّ
ونُشعل في الصمت نجمةً صغيرة تضيء ما تبقّى منّا.
فكل وجعٍ يُكتب… يصبح أخفّ
وكل حكايةٍ تُروى… تُنقذ صاحبها من الغرق.
ومن بين جدار الخوف وجدار الوجع
ستجد دائمًا في نجوم الكتب
مساحةً تُشبه قلبك –
حيث تتنفس الحروف، وتلتئم القصص
وتبقى الخواطر حيّة في ليلٍ لا يخون الذاكرة.
اقرأ أيضًا من خواطر نجوم الكتب: صمت الليل | خواطر ليلية



