
سجون نختار أن نحيا فيها | الحرية بين الأمان والخوف – كثيرًا ما نحيا داخل سجونٍ غير مرئية نتحرك فيها بحريةٍ ظاهرة بينما تُقيّدنا أفكارنا ومخاوفنا من الداخل. قد تكون هذه السجون: علاقة نخشَى فقدها أو عادةً نطمئن إليها، أو دورًا اجتماعيًا نخاف مغادرته. نحيا، نعمل، ونبتسم لكننا في لحظة صمتٍ نكتشف أن الأبواب مفتوحة، ومع ذلك لا نستطيع الخروج. هنا يبدأ السؤال الحقيقي: هل نحن أحرار فعلًا؟ أم أننا اخترنا أن نحيا في سجونٍ من صنع أيدينا؟
هناك العديد من السجون النفسية التي نقيد أتفسنا فيها: بعضها عاطفي يتغذى على الخوف من الفقد، وبعضها سلوكي يقوم على التكرار والعادة، وبعضها اجتماعي يتشكل من نظرة الناس وتوقعاتهم.
هذه السجون هي طبقات من الوعي والعاطفة تتكوّن داخلنا حتى نصدق أنها تحمينا بينما هي في حقيقة الأمر هي ما يقيدنا ويمنعنا من التنفس.
في السطور التالية سنتعرّف على أبرز هذه السجون التي نحيا داخلها طوعًا لنفهم كيف نصنعها… ولماذا نبقى فيها.
نحن لا نولد داخل جدرانٍ مرئية لكننا نكبر داخل أسوارٍ نُشيّدها بأيدينا نخاف من الخسارة فنقيّد أنفسنا بالاحتياط… نخاف من الوحدة فنتمسّك بعلاقاتٍ تُنهكنا… نخاف من التغيير فنُقدّس العادة.
يقول الفيلسوف ميشيل فوكو إن “الحرية لا تُمنح إنما تُنتزع من داخل الوعي”، وهذا الوعي هو ما نفتقده حين نصبح سجناء ما نحب وما نعرف، وما اعتدنا عليه.
في هذا المقال من نجوم الكتب نفتح نافذة على تلك السجون الخفية التي نحيا فيها بإرادتنا، ونسأل: لماذا نخشى الخروج منها؟
السجون النفسية: قيود ناعمة لا نراها
1. سجن العلاقات: حين يصبح الحب قيدًا
في العلاقات الإنسانية نخلط كثيرًا بين الحب والاعتماد قد نظن أننا نحمي من نحبّ بينما نحن نُقيّد أنفسنا بهم خوفًا من فقدهم. تُعرف هذه الحالة في علم النفس باسم العلاقات الاعتمادية وهي علاقات تقوم على الخوف أكثر مما تقوم على التفاهم.
يقول د. ستيفن كارتر الاختصاصي في علم النفس السلوكي:
“البعض يظل في علاقة مؤذية لأنه يخاف من الصمت الذي يلي الفقد أكثر من أذى البقاء.”
تعرف العلاقة الصحية بأنها القدرة على البقاء متّصلًا دون أن تفقد ذاتك أما البقاء بدافع الخوف فهو سجن ناعم نبرّره باسم الحب لكنه في الحقيقة قيدٌ خفي يمنع نمونا الداخلي.
2. سجن العادة: راحة تُخدّر الوعي
تُشبه العادة الغرفة التي نعرف كل زاويةٍ فيها؛ مريحة ومألوفة لكنها تمنعنا من رؤية الأفق.
يشرح كارل يونغ أن “اللاوعي يحب التكرار لأنه يمنحه شعورًا بالثبات” لهذا نتمسّك بعاداتٍ لم تعد تناسبنا قد تكون العادة طريقة تفكير أو أسلوب عيش، أو حتى نمطًا من الحزن تعوّدنا عليه.
لكن الخروج من سجن العادة لا يعني هدم كل شيء إنما فتح نافذة نسأل من خلالها: هل ما أفعله نابع من رغبتي أم من خوفي من المجهول؟
3. سجن الرضا الزائف: “أنا بخير” التي تخفي الانكسار
كم مرة قلنا “أنا بخير” ونحن في الداخل نتداعى؟ هذا القناع النفسي الذي نصنعه لحماية ذواتنا يتحول مع الوقت إلى قيدٍ يمنعنا من الاعتراف بالوجع. توضح الدكتورة بريني براون أن: “الاعتراف بالضعف ليس ضعفًا بل هو أعلى درجات القوة الإنسانية.” لكننا نخشى هذا الاعتراف لأننا نربطه بالانكسار فنختار سجن الصمت بدل حرية الصدق مع الذات.
4. سجن الصورة الاجتماعية: حين نعيش كما يُريد الآخرون
في زمنٍ تحكمه الإعجابات والمقارنات نصبح أسرى لما يراه الناس فينا. نرتدي ما يرضيهم… نكتب ما يعجبهم، ونعيش ضمن قالبٍ صمّمه المجتمع لا ذواتنا.
يرى عالم النفس إيريك فروم أن الإنسان المعاصر “استبدل الحرية الحقيقية بحرية الاختيار بين أقنعةٍ متعددة.”
نظن أننا أحرار لأننا نختار لكننا في الحقيقة نختار فقط ما يُقبل اجتماعيًا. فالتحرر لا يعني التمرّد إنما أن نحيا بما يتوافق مع قيمنا لا مع توقعات الآخرين.
5. سجن الطموح: حين يتحول النجاح إلى قيد
في سجن الطموح نظن أننا نركض نحو الحلم بينما نحن نركض من خوفٍ أعمق: الخوف من الفشل. يقول آلان واتس: “حين يتحول السعي إلى الكمال إلى هوس يفقد الإنسان حريته باسم الإنجاز.”
النجاح جميل لكنه يصبح سجنًا حين نقيس قيمتنا بمدى ما نُنجزه لا بما نحن عليه، فالحرية الحقيقية هي أن تعمل بدافع الشغف لا بدافع القلق من التراجع.
لماذا نختار السجن أحيانًا؟
تختار السجون لأنها الأمان الزائف الذي نعتقد أنه يحمينا من المجهول. العقل البشري كما يوضح علماء الأعصاب مبرمج على تجنّب الألم أكثر من سعيه نحو السعادة. لذلك نحن نفضل قيدًا مألوفًا على حريةٍ مجهولة.
نختار البقاء لأن ما نعرفه واعتدناعليه مهما كان مؤلمًا يمنحنا وهم السيطرة بينما الحرية تضعنا وجهًا لوجه أمام مسؤوليتنا الكاملة عن حياتنا.
آليات الدفاع النفسي: حين يحمي العقل سجنه
حين يشعر العقل بالخوف من التغيير يبدأ في بناء “حراس السجن” داخله والتي تسمى في علم النفس الآليات الدفاعية النفسية هي استجابات لا واعية يستخدمها العقل لحماية الإنسان من الألم النفسي أو الصراع الداخلي.
فهي تُشبه “درعًا” يخفّف من وطأة القلق أو الشعور بالذنب أو الخوف لكنها في الوقت نفسه قد تُبقي الإنسان أسيرًا لنمطٍ نفسي لا يريد مواجهته.
تتمثل آليات الدفاع النفسي بـ:
- الإنكار: رفض الاعتراف بوجود المشكلة.
- التبرير: إيجاد أعذار منطقية لتصرّف غير منطقي.
- الإسقاط: نسب مشاعرنا السلبية للآخرين.
- التعوّيض: المبالغة في جانب لتعويض نقص في آخر.
نبدأ نبرّر لأنفسنا البقاء “ليس الوقت مناسبًا للتغيير”، ننكر الألم “كل الناس تعيش هكذا”، نسقط المسؤولية “هو السبب وليس أنا”.
هذه الدفاعات تمنحنا راحة مؤقتة لكنها تمنعنا من النمو، فالوعي بها لا يعني محاربتها إنما فهمها كرسائل من النفس تخبرنا أن هناك ألمًا لم يُشفَ بعد.
البعد العصبي-النفسي: لماذا نفضّل القيد على الحرية؟
من منظور علم الأعصاب يرتبط الخوف من التغيير بنشاط اللوزة الدماغية المسؤولة عن الاستجابة للخطر. حين نحاول كسر عادة أو مغادرة علاقة يفسّر الدماغ هذا التغيير كتهديد للأمان بينما تتدخل القشرة الجبهية الأمامية لتنظيم القرار المنطقي، فينشأ الصراع بين الرغبة في التحرر والحاجة إلى الأمان.
هذا الصراع يفسّر لماذا نحتاج وقتًا وصبرًا لتغيير سلوكٍ ترسّخ لسنوات فالتحرر لا يحدث دفعة واحدة إنما بإعادة تدريب الدماغ على تقبّل الجديد دون خوف.
نصائح تأملية وعلاجية تطبيقية
فيما يلي بعض الخطوات التأملية البسيطة المستندة إلى العلاج المعرفي والوعي الذاتي لكي نحيا الحرية الداخلية بشكل عملي:
- مارس الكتابة العلاجية: دوّن كل يوم فكرة أو عادة تشعر أنها تقيدك.
- اختبر التغيير الصغير: غيّر عادة بسيطة أسبوعيًا لتعلّم الدماغ المرونة.
- تقبّل مشاعرك دون حكم: المشاعر ليست ضعفًا بل إشارات تحتاج إنصاتًا.
- اطلب المساعدة عند الحاجة: أحيانًا نحتاج صوتًا آخر ليرى ما لا نراه في أنفسنا.
طريق التحرّر: وعي .. لا تمرّد
التحرر يبدأ بالوعي بأن نسأل أنفسنا:
- ما الذي يمنحني إحساسًا بالأمان لكنه يسلبني الحياة؟
- ما الذي أفعله خوفًا لا رغبةً؟
- ما الذي يمكن أن أكونه لو لم أعد أخاف؟
مواجهة هذه الأسئلة هي أول خطوة نحو الحرية.
الحرية التي تسكن الداخل
الحرية أن نحيا بوعيٍ لما نختار وبصدقٍ مع دوافعنا، كل إنسان يحمل في داخله مفتاح سجنه بعض الأبواب لا تحتاج إلى كسرٍ بل إلى وعيٍ بأننا نحن من أغلقناها. قد لا نستطيع الهروب من كل القيود لكننا نستطيع أن نحيا داخلها بوعيٍ يجعلنا أحرارًا.
وفي النهاية ليست الحريةبمغادرة المكان إنما بمغادرة الخوف.
تمرين وعي بسيط:
قبل النوم. . اكتب سجنًا واحدًا تعيشه بإرادتك، واسأل نفسك: ما الذي يجعلني أتمسك به؟
لا تحكم .. فقط لاحظ .. فالوعي هو بداية الحرية.
الأسئلة الشائعة
ما المقصود بالسجون التي نختار أن نحيا فيها؟
هي القيود النفسية والعاطفية التي نتمسك بها طوعًا كالعلاقات المؤذية أو العادات القديمة أو الخوف من التغيير رغم إدراكنا أنها تحدّ من حريتنا.
لماذا نختار البقاء في هذه السجون؟
لأن العقل يربط الأمان بالاعتياد فاللوزة الدماغية تفسر التغيير كتهديد فنخاف المجهول أكثر من المعاناة المألوفة.
كيف نتحرر من السجون النفسية؟
عبر الوعي أولًا، ثم تفكيك الآليات الدفاعية، وممارسة الشجاعة العاطفية في التغيير خطوة بخطوة، مع تمارين وعي وتقبّل الذات.



