خواطر

حديث القلب (3): عن الحب والفقد

حديث القلب (3): عن الحب والفقد – في الجزء الأول من حديث القلب كتبنا عن الحب والاشتياق ذلك الشعور الذي يوقظ فينا الحياة من عمق الصمت، ثم مضينا في حديثنا في الجزء الثاني عن الحب حين أربك المنطق، ووقفنا على حدود الشعور والعقل لا نعرف أيّهما يقود الآخر.
واليوم نكمل الرحلة في الجزء الثالث من حديث القلب حيث الحبّ يلتقي بالفقد .. حين يبقى القلب ممتلئًا رغم الغياب وحين يصبح الفقد امتحانًا للحنين، ودرسًا في البقاء بعد النهاية.

ففي كلّ مرةٍ نظن أن الحبّ خلاصُ القلب يفاجئنا الفقد بأنه وجهه الآخر… ذاك الذي يختبر صدق المشاعر بعد غياب من كان يومًا مركز الكون.
في هذا الجزء من حديث القلب نكمل البوح عن الحب حين يفقد دفء الحضور ويصير ذكرى تمشي بيننا… عن الحنين الذي لا يخبو… وعن الصبر الذي يعلّمنا كيف نحبّ بصمتٍ بعد أن تعلّمنا كيف نحبّ بصوتٍ عالٍ.

حديث القلب: الحب والفقد

يُقال إنّ الفقد لا يأتي فجأة… يبدأ همسًا خافتًا في زوايا الحضور… نظرة تغيب، أو صمتٌ يطول…
ثم ينسحب الضوء ببطءٍ من تفاصيلنا… كأنّ الحياة تُطفئ مصابيحها واحدًا تلو الآخر حتى لا يبقى سوى القلب… القلب الذي يتلمّس العتمة باحثًا عن بقايا الدفء.

الفقد ليس فقداً جسديًا فقط… هو غيابٌ عن المعنى… عن الحوار… عن العيون التي كانت تراك دون أن تتكلم.
هو أن تجلس في المكان ذاته الذي جمعكما لكنك لا تسمع سوى صدى قلبك… كأنّ الآخر رحل ومعه اللغة التي كنت تتحدثها.

في الحب… نُسلّم أرواحنا طواعية… نفتح الأبواب… ونمنح الآخر مفاتيحنا دون خوف.
وفي الفقد… نستعيد أنفسنا بصعوبة… كمن يجمع أجزاء مرآة مكسورة… يرى وجهه في كل كسرٍ بصورةٍ مختلفة.

الحبّ والفقد وجهان لرحلةٍ واحدة… لا نعرف متى بدأ أحدهما ومتى انتهى الآخر.
كل حبٍّ كبير يترك وراءه فقدًا يشبهه في العمق… وكل فقدٍ عظيمٍ يعني أنّ هناك حبًّا عاش فينا يومًا بكل صدقه.

نتظاهر أننا تجاوزنا… لكنّ الليل يفضحنا حين يمرّ الاسم في بالنا فجأة… أو حين نتلعثم ونحن نحاول نسيان ما لا يُنسى.
نتحدّث عن النضج… عن الرضا… عن السلام الداخلي لكن في أعماقنا لا يزال هناك مكانٌ يحتفظ بصورتهم كما كانت لا تشيخ… لا تتبدّل… فقط تنتظر لحظة عودةٍ لا تأتي.

الفقد يربينا…
يجعلنا أكثر حذرًا في العطاء… أكثر صمتًا في الحب… وأكثر وعيًا بأنّ الأشياء الجميلة لا تدوم لكنها تترك أثرًا لا يُمحى…
يُعلّمنا أن بعض العلاقات خُلقت لتُضيء… لا لتستمر… وأن أجمل ما في الحب أنه يأتي دون وعد، ويغادر دون عذر.

وفي لحظة صدقٍ متأخرة… ندرك أننا لا نُشفى من الأشخاص بل نتعلّم كيف نحملهم داخلنا دون ألم…
نفهم أن الوداع ليس فشلًا بل نجاة… وأن الحبّ الحقيقي لا ينتهي بالفقد… يتحوّل إلى ذاكرةٍ هادئة… تبتسم لنا حين تمرّ…

نقف أخيرًا أمام أنفسنا… نحني رؤوسنا احترامًا لتلك النسخة منّا التي أحبّت بصدق… وفقدت بوجع ثم وقفت من جديد…

فنقول:
لم يكن عبثًا أن نُحب… ولم يكن عبثًا أن نتألّم…
فكل ما خسرناه علّمنا كيف نُحبّ الحياة أكثر…

في نجوم الكتب نؤمن أن الحبّ والفقد ليسا نهاية القصة… إنهما فصلان من روايةٍ أكبر عنوانها “الإنسان“.
كما نقرأ في الأدب: أن الفقد ألهم هيجو في “البؤساء” وكسَر قلب غوستاف فلوبير في “مدام بوفاري”، وأيقظ التساؤل في “مدارج السالكين” عن التعلّق والفناء… فكل فقدٍ عظيمٍ يولد منه حبرٌ جديد… وخاطرةٌ تُضيء درب قلبٍ ما زال يتعلّم كيف يحبّ… نؤمن أن القلب كالكلمة… لا يُمحى أثره مهما تكرّر وجعه… من الاشتياق إلى الارتباك ثم الفقد تتوالى أحاديث القلب لتكتب وجوه الحبّ كما نعيشها لا كما تُروى… فكل بوحٍ في هذه السلسلة هو مرآة لروحٍ مرّت من هنا… تعلمت أن الحب لا ينتهي… الحب يتحوّل فينا إلى ضوءٍ ناعم يذكّرنا بأننا ما زلنا أحياء…

مقالات مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *