رواية المدينة وأسوارها الغامضة – هاروكي موراكامي

رواية المدينة وأسوارها الغامضة | حين يصبح الظل أكثر حقيقة من صاحبه
هل يمكن للإنسان أن يعيش داخل عالم كامل من الذكريات، ثم يعجز عن معرفة إن كان ذلك العالم ملاذًا يحميه أم سجنًا يمنعه من العودة إلى الحياة؟
يعود هاروكي موراكامي في رواية المدينة وأسوارها الغامضة إلى واحد من أقدم العوالم التي سكنت خياله: مدينة غامضة تحيط بها أسوار عالية يعيش سكانها بلا ظلال، وتتجوّل في شوارعها حيوانات أحادية القرن بينما تحتفظ مكتبتها بأحلام قديمة بدلًا من الكتب.
المدينة وأسوارها الغامضة رحلة نفسية وفلسفية داخل الذاكرة والفقد والعزلة. بين عالم واقعي يستمر فيه الزمن ومدينة لا يكاد الزمن يتحرك داخلها يضع موراكامي بطله أمام سؤال مؤلم: أين توجد الذات الحقيقية داخل الأسوار أم خارجها؟
ما قصة رواية المدينة وأسوارها الغامضة ؟
تدور الرواية حول شاب في السابعة عشرة من عمره يقع في حب فتاة تصغره بعام. تخبره الفتاة أن ذاتها الحقيقية تعيش داخل مدينة تحيط بها أسوار مرتفعة، وأن الفتاة الموجودة أمامه ليست سوى ظل مؤقت لتلك الذات.
عندما تختفي الفتاة فجأة يبقى الراوي أسير ذكراها سنوات طويلة، وفي منتصف عمره يجد نفسه منجذبًا إلى المدينة التي حدثته عنها حيث يُفصل الداخلون عن ظلالهم، ويُكلّف بقراءة الأحلام القديمة داخل مكتبة غريبة.
هناك يجد الفتاة التي أحبها لكنها لا تتذكره، ولم تكبر منذ لقائهما الأول. يبدأ الراوي في التساؤل عمّا إذا كان قد وصل أخيرًا إلى الحقيقة أم أنه دخل إلى أعمق طبقة من طبقات وحدته.
بيانات الرواية
| اسم الرواية | المدينة وأسوارها الغامضة |
| المؤلف | هاروكي موراكامي |
| التصنيف | رواية فلسفية – واقعية سحرية – فانتازيا نفسية |
| عدد أقسام الرواية | ثلاثة أقسام |
| دار النشر | دار الآداب |
كيف نشأت رواية المدينة وأسوارها الغامضة؟
بدأت فكرة الرواية عام 1980 عندما نشر موراكامي نوفيلا تحمل العنوان نفسه تقريبًا في مجلة أدبية يابانية لكنه لم يكن راضيًا عنها، فرفض إعادة نشرها في كتاب أو السماح بترجمتها.
بعد خمس سنوات أعاد استخدام عالم المدينة المسوّرة في رواية أرض العجائب القاسية ونهاية العالم لكنه بقي يشعر أن الفكرة الأصلية لم تحصل على المعالجة التي تستحقها.
في مارس 2020 بالتزامن مع بداية جائحة كورونا عاد موراكامي إلى النص القديم وبدأ إعادة كتابته من جديد. استغرق العمل قرابة ثلاثة أعوام حتى صدرت الرواية بصورتها الحالية في أبريل 2023.
قال موراكامي: “إنه كان يؤمن بأهمية العالم الذي صنعه منذ شبابه لكنه لم يمتلك وقتها المهارة الكافية للتعبير عنه”. لذلك تبدو الرواية الجديدة حوار طويل بين موراكامي الشاب الذي ابتكر المدينة وموراكامي المسن الذي عاد إليها بعد أكثر من أربعين عامًا.
نبذة عن رواية المدينة الغامضة
يلتقي الراوي، وهو فتى في السابعة عشرة من عمره بفتاة تصغره بعام خلال مسابقة أدبية لطلاب المدارس. تنمو بينهما علاقة شديدة الرقة، ويشعر كل منهما بأنه وجد أخيرًا شخصًا يستطيع التعبير أمامه عن أفكاره ومشاعره الحقيقية.
تخبره الفتاة أن ذاتها الأصلية تعيش في مدينة ذات أسوارٍ عالية، وأن وجودها في العالم الواقعي ليس سوى ظل عابر. يبدأ الاثنان في بناء تفاصيل المدينة بالكلمات والخيال حتى تصبح أكثر وضوحًا من العالم الذي يعيشان فيه، ثم تختفي الفتاة فجأة دون أي سبب تاركةً الراوي عالقًا عند صيفهما الأخير مهما مضت سنوات حياته.
يقوده البحث عن ذلك الحب المفقود في منتصف عمره إلى الوقوف بين عالمين: عالم واقعي تمضي فيه الحياة رغم الخسارات، ومدينة مسوّرة تعيش خارج الزمن تجوبها حيوانات أحادية القرن، وتنفصل عند بوابتها الظلال عن أصحابها، وتضم مكتبتها أحلامًا قديمة بدلًا من الكتب. وفي قلب هذا العالم يواجه الراوي فتاة بقيت كما عرفها في السادسة عشرة لكن المسافة بين الذاكرة والحقيقة لم تعد قابلة للقياس.
مدفوعًا بحدسه وأحلامه يهجر الرجل حياته في طوكيو ويتولى إدارة مكتبة خاصة في بلدة جبلية نائية، ويكتشف أسرارًا تحيط بمديرها السابق ويلتقي فتى غريبًا يقرأ كل ما يقع بين يديه ويحمل خريطة لمدينة لم يزرها قط. ومع تعاقب الفصول تتداخل المكتبتان ويتردد أثر الصبي خلف الأسوار حتى يعجز الراوي عن معرفة أي العالمين حقيقي، وأي ذات منهما ليست سوى ظلّ للأخرى.
شخصيات رواية المدينة وأسوارها الغامضة
- الراوي: رجل بلا اسم؛ نتابعه منذ السابعة عشرة حتى منتصف العمر. يعيش أسير حب قديم لم يحصل فيه على نهاية واضحة، ويجسد الإنسان الذي يستمر جسده في الزمن بينما يبقى جزء من روحه عالقًا في الماضي.
- الفتاة: الحب الأول للراوي، وهي أيضًا بلا اسم؛ تعتقد أن ذاتها الحقيقية تعيش داخل المدينة بينما وجودها في العالم الخارجي مجرد ظل. تمثل الحضور الذي يتحول بعد الغياب إلى صورة مثالية يستحيل على الواقع منافستها.
- الظل: شخصية مستقلة تحاول إنقاذالراوي؛ يمثل الذاكرة والألم والرغبة والقدرة على التغير أي كل ما يجعل الإنسان حيًا حتى لو تسبب له في المعاناة.
- مدير المكتبة السابق: شخصية غامضة تساعد الراوي على فهم المكتبة والعزلة والحياة بين العوالم. وجوده يضاعف الشك في الحدود الفاصلة بين الأحياء والموتى، وبين الذكرى والحضور.
- فتى الغواصة الصفراء: فتى شديد الذكاء يعيش خارج القواعد الاجتماعية المألوفة. يبحث عن مكان يستطيع الانتماء إليه، ويرى في المدينة المسوّرة عالمًا يناسب طريقته المختلفة في فهم الأشياء.
أبرز أفكار رواية المدينة وأسوارها الغامضة
- الذات الحقيقية: تشكك الرواية في وجود ذات واحدة ثابتة؛ قد نعيش أكثر من حياة نفسية في الوقت نفسه، وقد تتحول الشخصية التي نظهر بها في الواقع إلى ظل لذات نفيها داخلنا، وهذا ينسجم مع مقال سابق تم نشره بعنوان الذات المثالية بين ما نريد أن نكونه وما نحن عليه حقًا.
- العزلة حماية أم هروب: تمنح العزلة الإنسان هدوءًا مؤقتًا لكنها قد تحرمه من العلاقات والتغير، وكل سور يحمي شيئًا في داخلنا لكنه يفرض ثمنًا مقابل تلك الحماية.
- الحب والذاكرة: الحب لا يعيش في الذاكرة بالصورة نفسها التي عاش بها في الواقع. لذلك تعيد الذاكرة تحرير الأشخاص والأحداث، فتحذف بعض التفاصيل وتضخم أخرى حتى يصبح الماضي عالمًا مستقلًا.
- الزمن شرط للحياة: داخل المدينة يكاد الزمن يتوقف، فتتوقف معه الشيخوخة والخسارة لكن في المقابل يتوقف النمو أيضًا، كأن الرواية تقول ضمنيًا أنّ الزمن مؤلم لأنه يأخذ منّا الأشياء لكنه ضروري حتى نصبح أشخاصًا آخرين.
- المكتبة بوابة إلى الوعي: المكتبة في الرواية تمثل صورة للعقل الذي يخزن الأحلام والذكريات والحيوات المحتملة، والقراءة نفسها تصبح شكلًا من أشكال عبور الأسوار.
تحليل رواية المدينة وأسوارها الغامضة
تبدو المدينة تجسيدًا لعالم داخلي شيده الراوي ليحمي حبّه الأول من قبضة الزمن؛ فخلف أسوارها بقيت الفتاة في السادسة عشرة بعيدة عن الشيخوخة وخيبات الواقع. إنّها ملاذ يصنعه العقل حين يأتي الفقد بلا وداع، فيترك الغائب معلقًا بين الرحيل والعودة، ويدفع الذاكرة إلى ابتكار مكان يبقى فيه حاضرًا.
لكن هذا الخلود له ثمن؛ فحين تُحفظ الذكرى في صورة مثالية يعجز أي شخص حقيقي عن منافستها لأنه يتغير ويخطئ بينما تبقى هي نقيّة لا تمسّها الحياة. بذلك يتحول بحث الراوي إلى صراع بين ماضٍ يخشى خيانته وحاضر يعجز عن الانتماء إليه: هل مغادرة المدينة تخلٍّ عن الحب الأول أم أن البقاء فيها هو الخيانة الحقيقية للذات التي ما زالت قادرة على الحياة؟
ماذا ترمز الأسوار في رواية المدينة وأسوارها الغامضة؟
تمثل الأسوار الحدود التي يبنيها الإنسان لحماية نفسه من الألم، فهي تمنع الأخطار من الدخول لكنها تمنع صاحبها أيضًا من الخروج والتواصل مع الآخرين. ومع مرور الوقت تتحول الحماية إلى سجن، ويصبح الخروج أكثر رعبًا من البقاء. هذا يوافق ما تطرقنا إليه في مقال نشرناه سابقاً على نجوم الكتب بعنوان: سجون نختار أن نحيا فيها
ترمز الأسوار أيضاً إلى الحدود بين:
- الوعي واللاوعي.
- الحقيقة والخيال.
- الذات والصورة التي نظهر بها أمام الآخرين.
- الحياة والموت.
- الذكرى والواقع.
- الفرد والمجتمع.
وقد أوضح موراكامي أنّ المدينة المسوّرة أصبحت أثناء الكتابة استعارة عن الإغلاق العالمي خلال جائحة كورونا، وعن المفارقة التي جعلت العزلة الشديدة تتزامن مع حاجة البشر إلى التعاطف والاتصال.
ما معنى الظل في رواية المدينة وأسوارها الغامضة؟
الظل هو الجزء الذي يحمل تاريخ الإنسان ورغباته ومخاوفه: والتخلص منه يرمز إلى التخلي عن الذاكرة والألم والقدرة على الاختيار.
داخل المدينة لا يشعر السكان بالألم بالطريقة المألوفة لكنهم لا يعيشون حياة كاملة أيضًا؛ إنهم محميون من الخسارة لأنهم منفصلون عن الأجزاء التي تجعل الخسارة ممكنة.
من خلال ذلك يطرح موراكامي سؤالًا: إذا استطعنا التخلص من كل ما يؤلمنا، فهل سنبقى نفس الأشخاص؟
الرواية لا تنظر إلى المعاناة باعتبارها فضيلة لكنها ترى أن محو الألم بالكامل قد يؤدي إلى محو الحب والذاكرة والنمو معه.
علاقة الرواية بجائحة كورونا
منحت الجائحة موراكامي المناخ النفسي المناسب للعودة إلى مدينة اخترعها قبل أربعين عامًا، وكأن العالم الخارجي أصبح فجأة يشبه عالمه الداخلي القديم، وقد انعكس ذلك في الجو النفسي للرواية: شوارع هادئة، حدود مغلقة، أشخاص منفصلون عن بعضهم، وخوف من العالم الخارجي يقابله احتياج متزايد إلى القرب الإنساني.
هل تستحق رواية المدينة وأسوارها الغامضة القراءة؟
على الرغم من الإيقاع البطيء للرواية خصوصًا في الأجزاء التأملية، وتكرار بعض الصور والأفكار عمدًا لإبراز دوران الراوي داخل ذاكرته. فإن الرواية تستحق القراءة إذا كنت من محبي الروايات النفسية والفلسفية التي تناقش مواضيع الذاكرة والعزلة والفقد، ومن محبي أعمال هاروكي موراكامي وعوالمه التي يتركها مفتوحة ليمنح للقارىء حق تكوين تفسيره الخاص.
نبذة عن هاروكي موراكامي
هاروكي موراكامي روائي ومترجم ياباني من مواليد عام 1949، ويُعد من أشهر الأصوات الأدبية المعاصرة في العالم. تتميز أعماله بمزج التفاصيل اليومية البسيطة بالعوالم الغرائبية، وبحضور موضوعات الوحدة والذاكرة والموسيقى والأحلام والبحث عن الذات.
من أشهر رواياته: كافكا على الشاطئ، الغابة النرويجية، 1Q84، مقتل الكومنداتور، يوميات طائر الزنبرك، أرض العجائب القاسية ونهاية العالم
يستخدم موراكامي الغرابة للوصول إلى أجزاء من النفس لا تستطيع اللغة الواقعية وحدها التعبير عنها.
رؤية نجوم الكتب
رواية المدينة وأسوارها الغامضة حكاية عن الإنسان عندما يحوّل الفقد إلى مكان يعيش داخله، والمدينة رمز يكشف تدريجيًا أن الأشياء المحفوظة خارج الزمن تبقى ثابتة، والفرق بين الحياة والثبات هو القدرة على التغير حتى لو كان مؤلمًا، وقد نجح موراكامي في تحويل المدينة إلى صورة لكل جدار نفسي نبنيه بعد الخسارة؛ نحن نحتاج الجدار كي نبقى واقفين، ثم نحتاج في لحظة أخرى إلى الشجاعة نفسها لهدمه.
والسؤال الحقيقي: ما المدينة التي يعيش كل واحد منّا داخل أسوارها؟
تابع جديد الكتب والروايات والمراجعات
انضم إلى قناة نجوم الكتب على تيليجرام، وأضف نجوم الكتب إلى مصادرك المفضلة على Google
قناة نجوم الكتبجميع المواد المنشورة في نجوم الكتب تهدف إلى التعريف بالكتب ونشر الوعي الثقافي فقط؛ نحن لا نستضيف أي ملفات محمية بموجب حقوق النشر على خوادمنا. إذا كنت صاحب الحقوق وترغب في تعديل أو إزالة أي محتوى، يرجى التواصل معنا وسنقوم بالاستجابة في أقرب وقت. ننصح دائمًا بالحصول على النسخة الأصلية دعمًا للمؤلف والناشر.



