مقالات علم نفس

كيف نعيش سنواتٍ كاملة ونحن لا نعرف ما نريده فعلًا؟ حين نختار السلام الظاهري بدل الصدق مع أنفسنا

كيف نعيش سنوات دون أن نعرف ما نريده فعلًا؟ حين نختار السلام الظاهري بدل الصدق مع أنفسنا لا يختفي السؤال…
يتشكّل في الداخل على هيئة صراع داخلي صامت.

نعيش أحيانًا سنواتٍ كاملة ونحن نتحرك في حياتنا بشكلٍ طبيعي: نعمل، نحب، نختار، ونستقر… لكن في لحظةٍ ما دون حدثٍ واضح أو أزمةٍ صريحة يتسلل سؤالٌ بسيط ومربك:

هل هذه هي الحياة التي أريدها فعلًا؟

ليس لأن حياتنا سيئة بالضرورة لكن لأننا تعلّمنا كيف نتأقلم أسرع مما تعلّمنا كيف نعرف أنفسنا… اخترنا السلام الظاهري كحلٍّ سريع، وتركنا في الداخل حاجة أعمق لم نُسمِّها لكنها لم تختفِ… وظلّت تضغط بصمت.

كثيرون لا يعرفون ما يريدونه – لا لأنهم تائهون أو عاجزون عن الاختيار – لكن لأنهم تعلّموا مبكرًا كيف يُرضون الآخرين، كيف يتجنبون الصدام، وكيف يمرّون من الحياة بأقل خسائر ممكنة. ومع الوقت تحوّل هذا التأقلم من مهارة مؤقتة إلى نمط حياة كامل.

هل عدم معرفة ما نريده ناتج عن غموض حقيقي… أم عن رغبة قمنا بقمعها طويلًا؟

غالبًا لا يضيع ما نريده فجأة إنما يُدفن تحت طبقات من التكيّف، والخوف، والاختيارات الآمنة التي لم نسأل أنفسنا يومًا إن كانت تعبّر عنا فعلًا.

لهذا نشعر أحيانًا بالفراغ داخل علاقات مستقرة وبالإنهاك رغم الهدوء، وبالحنين إلى شيءٍ لا نعرف اسمه، فالعقل لا ينسى الأسئلة التي لم نسمح لها أن تُطرح، ولا يتجاوز القرارات التي اتُّخذت فقط لتجنّب الألم.

هذه المقالة ليست دعوة للهروب من الحياة، أو بحثًا عن إجابات جاهزة؛ هي محاولة صادقة لفهم: كيف نصل إلى نقطة نعيش فيها سنواتٍ كاملة دون أن نعرف ما نريده فعلًا؟ وماذا يحدث داخلنا حين نختار السلام الظاهري بدل الصدق مع أنفسنا؟

إن كان هذا السؤال قد راودك يومًا، ولو دون كلمات واضحة فأنت في المكان المناسب لفهمه.

يندرج هذا المقال ضمن قراءات علم النفس حيث نحاول فهم الصراعات الداخلية بعيدًا عن الحلول السريعة.

ما معنى أن نعيش دون أن نعرف ما نريده؟

أن نعيش دون أن نعرف ما نريده لا يعني بالضرورة أننا تائهون أو بلا أهداف كثيرون يعرفون ماذا يفعلون لكنهم لا يعرفون لماذا يفعلونه؟… يعرفون الطريق، الوظيفة، العلاقة، الشكل العام للحياة… لكن الرابط الداخلي بينها مفقود.

لا تكمن المشكلة في غياب الرغبة إنما في غياب الاتصال بها، فنحن لا نفقد ما نريده فجأة لكن مع مرور الوقت نتعلّم كيف نُسكته من خلال تأجيل الأسئلة، التقليل من شأن الإحساس، واستبدال الصوت الداخلي بقوائم جاهزة لما “يجب” أن نريده.

هل عدم معرفة ما نريده يعني أننا بلا رغبة؟

لا. في الغالب يعني أننا نعيش على رغباتٍ ليست لنا، أو على اختيارات لم نراجعها أصلًا. نحن نختار ما يبدو منطقيًا، آمنًا، مقبولًا اجتماعيًا، ثم نندهش لاحقًا من شعور الفراغ الذي لا نعرف له سببًا.

ومع الوقت يتحوّل هذا الانفصال البسيط عن الذات إلى حالة دائمة نعتاد فيها القيام بما يُتوقّع منا لا بما نشعر نحوه بانجذاب حقيقي، فنعيش حياة مكتملة من الخارج لكن غير مأهولة من الداخل.

وهنا تظهر المفارقة:

قد يكون لدينا كل ما حلمنا به يومًا، ومع ذلك نشعر أننا لم نختاره بحرّية كاملة لأن الرغبة الحقيقية لا تُقاس بما نملكه إنما تقاس بمقدار انسجامنا الداخلي مع ما نعيشه فعلًا.

أن لا نعرف ما نريده – في جوهره – ليس جهلًا بالاختيارات بل انفصالًا هادئًا عن الذات يحدث حين نختار التكيّف قبل الفهم، والسلام قبل الصدق.

متى ولماذا نختار السلام الظاهري بدل الصدق مع أنفسنا؟

في العادة نختار السلام الظاهري قبل أن ندرك أننا نتنازل عن شيءٍ ما. يحدث ذلك عبر سلسلة اختيارات صغيرة تبدو عقلانية في وقتها: نؤجل مواجهة، نتجاوز شعورًا غير مريح، ونُقنع أنفسنا بأن الأمر “ليس بهذه الأهمية”.

غالبًا ما يبدأ هذا الاختيار في مراحل مبكرة من حياتنا حيث نتعلّم أن الانسجام أهم من الصدق، وأن التكيّف فضيلة، وأن الاحتياجات غير المعلنة أقل خطرًا من الاحتياجات المرفوضة، ومع الوقت يصبح السلام الظاهري قيمة عليا حتى لو كان على حساب الحقيقة الداخلية.

هذا السلام الذي نتحدث عنه لا يشبه السلام الداخلي الذي يأتي من الفهم والقبول؛ هو هدوء نخلقه لتجنّب الصراع وتأجيل الأسئلة… سلامٌ يحفظ الاستقرار من الخارج لكنه لا يمنح الطمأنينة من الداخل. هدوء نحافظ عليه لأن المواجهة تبدو مكلفة: قد نخسر علاقة، صورةً عن أنفسنا، أو استقرارًا اعتدنا عليه، فنختار الصمت لأن التعبير عمّا نشعر به يبدو أثقل من احتماله.

لماذا نفضّل السلام الظاهري على الصدق مع الذات؟

لأن الصدق يفتح أبوابًا لا نعرف إلى أين تقود بينما يمنحنا السلام الظاهري إحساسًا مؤقتًا بالأمان.

الصدق يطلب إعادة نظر، وربما تغيير مسار حياتنا أما السلام الظاهري فيسمح لنا بالاستمرار دون أسئلة كثيرة لكن لهذا السلام ثمنًا خفيًا؛ فكل شعور تم تجاهله، وكل رغبة تم التقليل منها لا تختفي فعلًا تتراكم في الداخل وتتحوّل إلى ضيقٍ غير مبرر، أو فتورٍ في العلاقات، أو إحساس دائم بأن شيئًا ما ليس في مكانه.

وهكذا نصل إلى مفارقة مألوفة: نعيش حياة هادئة من الخارج لكنها غير مطمئنة من الداخل لأننا اخترنا الخطأ بل لأننا اخترنا الأسهل، وأجّلنا الصدق إلى وقتٍ لاحق… لم يأتِ بعد.

الأقنعة النفسية: كيف نتأقلم حتى ننسى أنفسنا؟

في بادىء الأمر نحن نرتدي الأقنعة لنحمي أنفسنا من الرفض، من الخسارة، من الصدام الذي لا نملك أدواته بعد؛ القناع النفسي  ليس خداعاً هو استجابة ذكية لظرف صعب… طريقة نتعلّم بها كيف نكون “مقبولين”، “مرغوبين”، أو على الأقل غير مُربكين للآخرين… نعدّل نبرتنا نخفّف احتياجاتنا ونعيد صياغة رغباتنا حتى لا تُثقل على من حولنا لكن المشكلة تبدأ عندما نُبقي هذا القناع أطول مما ينبغي.

قد يجد شخص نفسه في علاقة مستقرة، هادئة، بلا مشكلات واضحة؛ هو/هي متفاهم، متعاون، لا يطلب الكثير، ولا يثير أسئلة صعبة، ومع ذلك يظهر شعور غامض بالإنهاك أو الفراغ دون سبب يمكن تسميته وذلك لأن جزءًا من الذات ظل صامتًا طويلًا حتى نُسي.

مع الوقت يتحوّل القناع من أداة حماية إلى هوية، فننسى أين ينتهي ما يُنتظر منا؟ وأين يبدأ ما نريده فعلًا؟ فنعيش حياة متكيّفة بإتقان لكنها لا تعبّر عنّا بصدق.

هنا يتشكّل ما يسميه علم النفس أحيانًا الذات المتكيفة وهي ذات تعرف:

  • كيف تتأقلم لكنها لا تعرف كيف تطلب.
  • كيف تتحمّل لكنها لا تعرف كيف تختار.
  • كيف تحافظ على الاستقرار لكنها تفقد الاتصال بالرغبة.

وقد ناقشنا فكرة الذات المتكيفة والأقنعة النفسية بتفصيل أوسع في مقال سابق عن آليات التكيّف النفسي وكيف نخفي إنهاكنا العاطفي خلف الأقنعة؟

هل الأقنعة النفسية خطأ؟

لا؛ هي ضرورية في مراحل معينة خاصة حين لا نملك الأمان الكافي لنكون على حقيقتنا لكن الخطورة تظهر حين ننسى أنها مؤقتة، ونتعامل معها كنسخة نهائية من أنفسنا.

كل قناع نرتديه طويلًا يطلب ثمنه لاحقًا على هيئة تبلّد، فتور، أو شعور بأن الحياة تمضي دون مشاركة داخلية حقيقية، وهكذا من دون أن نلاحظ ننتقل من التكيّف مع الحياة إلى العيش بدلًا من أنفسنا.

ولهذا لا نندهش حين نرى في بعض الروايات شخصيات تعيش حياة تبدو مكتملة من الخارج لكنها من الداخل مثقلة بأسئلة لم تُقال، واختيارات لم تُراجع. هذه الروايات تكشف الأقنعة، وتمنحنا مسافة آمنة نرى فيها أنفسنا دون دفاع
فنكتشف أن ما نعتبره ضعفًا شخصيًا هو في الحقيقة تجربة إنسانية مشتركة.

كيف يظهر الصراع بين الذات الحقيقية والذات المتكيّفة في علاقاتنا؟

نادرًا ما يظهر الصراع الداخلي بين الذات الحقيقية والذات المتكيفة في العلاقات على هيئة مشكلة واضحة.
غالبًا ما يتسلّل بهدوء: في فتورٍ غير مفهوم، أو مسافةٍ عاطفية لا نعرف متى بدأت، أو شعورٍ متكرر بأننا “نؤدي دورًا” بدل أن نكون على حقيقتنا.

حين نرتدي القناع طويلًا لا نخلعه بسهولة داخل العلاقات وبالتالي نحب بالطريقة التي تعلّمنا أنها آمنة لا بالطريقة التي تعبّر عنا فعلًا فنختار ما لا يثير قلق الآخر، ونؤجل ما قد يربك التوازن فنبدو مستقرين لكن غير حاضرين بالكامل.

قد تجد امرأة أو رجلًا في علاقة طويلة – تبدو مستقرة – لا يشكو أي منهما من إساءة أو إهمال واضح: الشريك موجود، العلاقة مستقرة، والحياة تمضي بلا صدامات كبيرة.
ومع ذلك يظهر شعور خافت بعدم الاكتفاء، أو رغبة غير مفهومة في الابتعاد دون سبب يمكن شرحه ذلك لأن أحد الطرفين عاش طويلًا بذاتٍ متكيّفة بينما الذات الحقيقية بقيت مختبئة.

لماذا نشعر أحيانًا بالفراغ داخل علاقات مستقرة؟
لأن الاستقرار الخارجي لا يعوّض غياب الصدق الداخلي. العلاقة التي تقوم على التكيّف المستمر قد تنجح في الاستمرار لكنها تُنهك الشعور بالاتصال أي نكون حاضرين جسديًا ومنضبطين سلوكيًا بينما يبقى جزءٌ منّا بلا صوت.

هذا الصراع لا يظهر فقط في العلاقات العاطفية إنما أيضاً في الصداقات، الروابط الأسرية، وحتى في طريقة اختيارنا لشركائنا. ننجذب أحيانًا لمن يسمح لنا بالبقاء داخل القناع لا لمن يراه ويطلب منا خلعه.

ومع الوقت تتكرر الأنماط… نغيّر الأشخاص لكن نعيد نفس الدور: نبحث عن الأمان، فنجد الهدوء، ثم نتساءل لاحقًا لماذا نشعر بالوحدة رغم القرب.

عندها تفشل العلاقات لأنها بُنيت على نسخة متكيّفة منّا لا على الذات التي لم يُتح لها أن تتكلم بعد وتعبر عن نفسها. وقد تطرّقنا بتفصيل أعمق إلى هذا الصراع بين الذات التي نعيش بها، والذات التي نطمح أن نكونها في مقال سابق عن الذات الحقيقية والذات المثالية.

لماذا لا نلاحظ الصراع بين الذات الحقيقية والذات المتكيّفة إلا بعد فوات الوقت؟

لا يظهر هذا الصراع دفعة واحدة إنما يتشكّل ببطء عبر سنوات من التكيّف، والتنازلات الصغيرة، والتأجيل المستمر للأسئلة الصعبة، ولهذا لا نراه في لحظته بل ننتبه إليه غالبًا بعد أن يكون قد ترسّخ.

مع الوقت يتحوّل الاعتياد إلى غطاء نفسي… نعتاد الإحساس فنكفّ عن مساءلته، ونعتاد الدور فننسى أنه كان خيارًا في يومٍ ما ليأتي دور الزمن فيما بعد ويجعلها أقل وضوحًا.

كذلك هناك عامل آخر أكثر خفاءً وهو: العقل حيث يميل العقل إلى الحفاظ على الاستمرارية حتى لو كانت غير مريحة.
فحين نستثمر وقتًا، مشاعر، وقرارات طويلة في مسارٍ معيّن يصبح التراجع عنه مكلفًا نفسيًا فنفضّل تفسير الضيق على أنه إرهاق عابر على أن نفسره بأنه علامة على خلل أعمق.

ومع كل مرة نؤجّل فيها المواجهة تتراكم الأسئلة بدل أن تختفي… نغلق موضوعًا دون أن نغلق أثره، ونتابع الحياة وكأن شيئًا لم يكن بينما يبقى في الداخل شعور غير مكتمل.

في هذه المرحلة لا يحدث الانفصال دفعة واحدة إنما يبدأ كنوع من الانسحاب الداخلي الهادئ حيث تستمر العلاقة شكليًا بينما يتراجع الحضور النفسي تدريجيًا، وهو ما يُعرف في علم النفس العاطفي بـ الخروج العاطفي الآمن من العلاقات.

لماذا لا يختفي الشعور غير المكتمل مع مرور الوقت؟
لأن العقل لا يَشفيه مرور الوقت بل اكتمال ما لم يكتمل؛ ما لم يُفهم أو يُواجه أو يُغلق بوعي يظل نشطًا في الخلفية مهما طال الزمن.

ومن هنا تتشكّل الحلقة غير المكتملة التي يستمر العقل في الدوران داخلها لا بدافع الحنين إنما بحثًا عن نهاية لم تُمنَح له.

لماذا لا يتوقف العقل بعد الانفصال؟

الحلقات المفتوحة وتأثير زيغارنيك

بعد الانفصال لا ينشغل العقل بالذكريات الجميلة فقط إنما ينشغل بما لم يُقال وما لم يُفهم، وما انتهى دون تفسير واضح.
نُعيد الحوارات… نراجع التفاصيل الصغيرة، ونبحث عن إجابة واحدة قادرة على إيقاف هذا الدوران المستمر.

العقل لا يتصرّف بدافع الحنين بل بدافع عدم الاكتمال، فالعلاقات التي تنتهي دون إغلاق نفسي تترك وراءها أسئلة نشطة تظل تعمل في الخلفية حتى وإن بدا أننا تجاوزنا التجربة ظاهريًا.

في علم النفس يُعرف هذا النمط بما يُسمّى تأثير زيغارنيك وهو ميل العقل إلى تذكّر المهام والتجارب غير المكتملة أكثر من تلك التي أُغلقت بوضوح.
العلاقة غير المفهومة، أو القرار المؤجَّل، أو الوداع الذي لم يأخذ وقته… كلها تبقى حاضرة لأن العقل لم يحصل على فرصة ليضع لها نهاية داخلية.

هل يعني ذلك أننا عالقون في الماضي؟
ليس بالضرورة. في كثير من الأحيان نحن عالقون في فراغ لم يُغلق – لا في شخص بعينه – نبحث عن معنى لما حدث لا عن استعادة ما انتهى.

وهنا يتقاطع تأثير زيغارنيك مع الصراع الذي تحدّثنا عنه سابقًا حين نختار السلام الظاهري بدل الصدق فإننا نُنهي المواقف من الخارج لكن نتركها مفتوحة من الداخل.
نُغلق العلاقة لكن لا نُغلق الأسئلة.

لهذا قد يبدو العقل وكأنه يرفض التقدّم بينما هو في الحقيقة يحاول أن يُكمل ما لم يُسمح له أن يكتمل ليعيد لنا إحساس الفهم والسيطرة.

فالحلقات المفتوحة لا تُبقينا عالقين في ما انتهى فقط إنما تعيق قدرتنا على البدء من جديد، وهي الفكرة التي تناولناها من زاوية مختلفة عند الحديث عن فلسفة البدايات – كيف نحاول أن نولد من جديد؟

لماذا يعيد العقل التفكير في علاقة انتهت؟
لأن العقل يبحث عن اكتمالٍ لم يحدث؛ العلاقات التي تنتهي دون فهم أو إغلاق نفسي تبقى نشطة ذهنيًا كمحاولة للفهم.

الأدب والروايات: مرايا نرى فيها ما لا نراه في أنفسنا

في الأدب يُسمح لنا أن نرى دون أن نتظاهر بالقوة لذلك نلجأ إلى الروايات لأن الواقع أحيانًا يكون أقوى من قدرتنا على احتماله. نحن نقرأ فنقابل ذواتنا في شخصيات أخرى، وأسئلة أجلناها طويلًا.

الرواية تمنحنا مسافة آمنة فهي لا تضعنا في موضع الاتهام، ولا تطالبنا بإجابات فورية؛ تسمح لنا بأن نراقب من الخارج ما يصعب علينا الاعتراف به من الداخل، وهذه المسافة بالذات هي ما تجعل الأدب أداة وعي عميقة.

حين نتابع شخصية تتأقلم أكثر مما تشعر، أو تختار السلام الظاهري على حساب الصدق نراها بوضوح لا نملكه دائمًا تجاه أنفسنا.
نحزن عليها… نتساءل عن اختياراتها وربما نغضب منها… ثم ندرك بهدوء أننا نفعل الشيء ذاته لكن دون أن نسمّيه.

لماذا نشعر أحيانًا أن رواية ما “تفهمنا” أكثر مما يفعل الناس؟
لأن الرواية تمنحنا مساحة آمنة نرى فيها مشاعرنا دون دفاع، وتسمّي ما عجزنا عن التعبير عنه، فهي لا تطلب منا موقفًا ولا تملي علينا ما يجب فعله بل تضع التجربة أمامنا بهدوء، وتترك لنا حرية أن نلتقي بأنفسنا فيها بلا ضغط ولا أحكام.

الأدب يمنحنا لغة نسمّي بها ما نشعر به، ونفهم من خلالها ما كان غامضًا أو مبعثرًا، وحين نمتلك اللغة يصبح الوعي ممكنًا، ويصبح الصدق أقل تهديدًا.

لهذا تلعب الروايات دورًا خاصًا في لحظات التحوّل لأنها تطرح صراعات الهوية والذات وتفتح نافذة نرى منها أنفسنا دون أقنعةربما لأول مرة، وتمنحنا مساحة للفهم دون وعظ أو ضغط.

كيف تساعدنا الكتب على تسمية ما نشعر به؟

أحيانًا نعجز عن تسمية ما يؤلمنا بل نعجز حتى عن فهمه… نشعر بثقلٍ داخلي، أو ضيقٍ بلا سبب واضح، أو حيرةٍ لا نجد لها تفسيرًا.
وهنا تبدأ الكتب في أداء دورها؛ فهي تمنح أسماءً لما نشعر به، وتحوّل الإحساس المربك إلى معنى.
وحين نُسمّي ما نشعر به نخرج من دائرة الإرباك إلى دائرة الفهم، ونمتلك أولى أدوات الوعي: فما لا نستطيع تسميته، يصعب علينا التعامل معه.

في علم النفس تُعدّ التسمية الخطوة الأولى في أي مسار للفهم أو التعافي، وحين نقرأ عن مشاعر تُشبه ما نعيشه – قلق، تعلّق، فقد، اغتراب، أو حتى فراغ – نكتشف أن ما اعتبرناه ضعفًا شخصيًا ينتمي في الحقيقة إلى تجربة إنسانية أوسع، وهذا الإدراك وحده كفيل بتخفيف ثقل التجربة.

الكتب على عكس النصائح السريعة لا تُسارع إلى إصلاحنا؛ هي فقط تمنحنا الفهم الذي نحتاجه قبل أي تغيير. لهذا يشعر كثيرون بالهدوء أثناء القراءة لأن ما نشعر به صار مفهومًا.

هل تسمية المشاعر كافية لتجاوزها؟
ليس دائمًا لكن الفهم يغيّر موقعنا من التجربة؛ حين نفهم ما نشعر به نخرج من أسر التجربة إلى موقع المراقبة،
وهذه النقلة وحدها تفتح بابًا للاختيار بدل الانفعال.

من هنا تتحوّل القراءة من عادة ثقافية إلى ممارسة نفسية غير مباشرة هي ليست علاجًا بالمعنى الطبي
لكنها خطوة تمهيدية تمنحنا الوعي، والفهم، والقدرة على الإصغاء لما يحدث في الداخل.

العلاج بالقراءة (Bibliotherapy): متى يساعد؟ ومتى لا يكفي؟

لا يعني العلاج بالقراءة أن الكتاب بديل عن العلاج النفسي، ولا أن الرواية قادرة وحدها على شفاء جروح عميقة.
في جوهره العلاج بالقراءة هو استخدام النصوص – روايات، كتب نفسية، سِيَر – كوسيلة لفهم الذات، وتفكيك المشاعر، وإعادة تنظيم التجربة الداخلية.
الهدف من ذلك ليس أن نُصلِح أنفسنا بل أن نفهم ما يحدث في داخلنا دون مقاومة أو إنكار.

يساعد العلاج بالقراءة حين نكون في مرحلة نبحث فيها عن فهم، أو حين نشعر بشيءٍ لا نعرف كيف نسمّيه،
أو نمرّ بتجربة نحتاج أن نراها من زاوية أخرى قبل أن نقرّر ماذا نفعل بها.

القراءة تعمل كمرآة هادئة… نلتقي عبرها بتجارب إنسانية مشابهة، فنهدأ لأن ما نعيشه لم يعد معزولًا أو غريبًا،
ولأننا لسنا أول من شعر بهذا الالتباس أو التعب.

متى يكون العلاج بالقراءة مفيدًا فعلًا؟
حين يكون القارئ مستعدًا للفهم… لا للهروب.
حين يقرأ ليصغي… لا ليبحث عن إجابة سريعة تُنهي السؤال.
وحين يُدرك أن الوعي مرحلة… لا نتيجة نهائية.

لكن هناك لحظات لا يكفي فيها العلاج بالقراءة عندما يكون الألم أعمق من أن يُحتوى بالكلمات وحدها، وحين تتحوّل المعاناة إلى عجز عن العمل، أو تآكل في العلاقات، أو اجترار ذهني لا يتوقف.

الكتاب يمكن أن يفتح الباب لكن عبوره أحيانًا يحتاج إلى حضور إنساني مباشر، أو دعم متخصص، ومع ذلك لا يجب التقليل من قوة هذه الخطوة.
فالقراءة الواعية قد تكون أول مساحة آمنة نسمح فيها لأنفسنا أن نفهم، وأول مرة نختبر فيها الصدق دون خوف،
وأول اقتراب حقيقي من الذات قبل أي تغيير أكبر.

كيف تختار كتابًا أو رواية تناسب حالتك النفسية؟

إنّ اختيار كتاب مناسب لحالتك النفسية لا يبدأ من قوائم “الأكثر مبيعًا”، ولا من ترشيحات عامة تصلح للجميع.
يبدأ من سؤال أبسط لكنه أكثر صدقًا: ما الذي أعيشه الآن؟

القراءة الواعية هي البحث عن الكتاب الأقرب لما نشعر به، لما نمرّ به، وللسؤال الذي يتكرر في داخلنا حتى لو لم نسمّه بعد، ويمكن للقارئ أن يبدأ بتجربة القراءة الواعية عبر ملخصات الروايات والكتب التي تتقاطع مع هذه الأسئلة النفسية.

المعيار الأول الحالة لا الرغبة في التغيير

في لحظات الحزن أو الفقد نحتاج نصوصًا تسمح لنا بالحزن دون استعجال لتؤكد أن ما نشعر به أمر عادي لا عيب فيه، وبالتالي كتب التحفيز أو النهايات المشرقة تكون غير مناسبة.

أما في لحظات التشتّت أو الفراغ قد تكون الروايات التي تتناول الهوية، والاغتراب، والأسئلة الوجودية أصدق من كتب “تنظيم الحياة” لأنها لا تطلب منا ترتيب الفوضى في داخلنا فورًا إنما الجلوس معها وفهمها أولًا.

المعيار الثاني المرحلة النفسية

لكل مرحلة كتاب يناسبها؛ فحتى الكتب العظيمة قد لا تُصيبنا إن قرأناها في غير وقتها. هناك كتب تأتي مبكرًا فتُربك،
وأخرى تأتي متأخرة فلا تُحدث أثرًا.
القراءة تشبه الحوار إن لم نكن مستعدين للسؤال، فلن نسمع الإجابة.

المعيار الثالث الاستعداد الداخلي

هل نقرأ لنفهم أم لنُسكِت الشعور؟
هل نبحث عن مرآة أم عن مهرب؟
هذا الفرق يصنع فارقًا كبيرًا في الأثر الذي يتركه الكتاب فينا.

كيف أعرف أن هذا الكتاب مناسب لحالتي النفسية الآن؟
حين تشعر أن الصفحات لا تضغط عليك لتتغيّر إنما تسمح لك أن تفهم ما تعيشه بهدوء، فالكتاب المناسب لا يَعِد بحلول سريعة فقط يمنحك شعورًا بأنك لست وحدك في التجربة.

هل هناك كتاب واحد مناسب للجميع؟
لا. لكن هناك كتابًا مناسبًا لكل شخص في لحظة معيّنة من حياته، وحين نختاره بوعي تتحوّل القراءة من عادة إلى تجربة،
ومن وقت مستقطع إلى مساحة إصغاء حقيقية.

لهذا اختيار الكتاب هو قرار نفسي قبل أن يكون قرارًا ثقافيًا فقط أي أن نقرأ ما نحتاجه لا ما يُفترض بنا أن نقرأه.

هل الصدق مع الذات يعني الفوضى؟

كثيرون يتجنّبون الصدق مع أنفسهم لأنهم يخشون ما قد يترتّب عليه، وكأن الصدق خطوة أولى نحو الفوضى، أو قرار متهوّر يهدّد كل ما بُني عبر السنوات.

إنّ الفوضى الحقيقية تأتي من إنكار الصدق طويلًا، ومن تراكم الأسئلة غير المطروحة، والمشاعر غير المُعترف بها
حتى تتحوّل إلى قرارات مفاجئة أو انفجارات متأخرة.

لكن الصدق مع الذات قد يطرح أسئلة لا نملك لها إجابات جاهزة، وقد يكشف تعارضًا بين ما نعيشه وما نريده، وقد يضعنا أمام احتمالات لم نستعد لها بعد؛ الصدق هو مجرّد اعتراف داخلي يغيّر زاوية الرؤية لا المسار فورًا.

الصدق الواعي لا يغيّر الواقع فورًا لكنه يغيّر علاقتنا به، ويمنحنا إحساسًا أصدق بالاختيار لأنه يسمح أولًا بالفهم، ثم يترك للزمن والنضج أن يحدّدا الخطوة التالية.

أن نكون صادقين مع أنفسنا يعني أن نعترف بما يزعجنا، بما لا يشبهنا، وبما لم يعد يحتمل الصمت؛ يعني أن نعرف كل ما نريده الآن، وأن نتوقّف عن خيانة ما نعرفه فعلًا. وهذا – في حدّ ذاته – بداية نظام داخلي جديد.

ماذا نخسر حين نتجاهل سؤال: ماذا أريد فعلًا من حياتي؟

إنّ تجاهل هذا السؤال لا يمرّ بلا ثمن حتى لو بدا في البداية خيارًا عمليًا أو ضروريًا، فنحن لا نخسر شيئًا دفعة واحدة إنما نخسره بالتقسيط وعلى مهل. وأول ما نخسره هو:

  • الإحساس بالمعنى نستمر في الحياة، ننجز، نلتزم، ونؤدي أدوارنا كما ينبغي لكن من دون شعور حقيقي بأن ما نفعله نابع من رغبتنا به. عندها يصبح الإنجاز واجبًا، وتتحوّل الأيام إلى مهام تُنجز لا تجارب تُعاش.
  • علاقتنا بأنفسنا حين نؤجّل سماع صوتنا الداخلي فإننا نبتعد عنه تدريجيًا لأننا اعتدنا تجاهله. ومع الوقت نجد صعوبة في التمييز بين ما نريده حقًا، وما تعلّمنا أن نريده.
  • القدرة على الاختيار الواعي الاختيارات التي لا تُراجع تتكرّر تلقائيًا حتى لو غيرّنا الظروف نجد أنفسنا نعيد نفس الأنماط: ننتقل من علاقة إلى أخرى، أو من مرحلة إلى أخرى دون أن نغادر الدائرة نفسها.
  • الإحساس بالامتلاء على مستوى العلاقات قد نكون محاطين بالناس، ومع ذلك نشعر بوحدةٍ غامضة؛ لأننا نحضر فيها بذاتٍ مُخفَّفة متكيّفة أكثر مما ينبغي.
  • الزمن وهو أخطر ما نخسره لأننا نعيش السنوات دون حضور كامل، ودون أن نسأل أنفسنا السؤال الذي كان يمكن أن يغيّر اتجاهًا كاملًا، أو على الأقل يخفّف ثقل الطريق.

تجاهل سؤال ماذا أريد فعلًا من حياتي؟ لا يمنع الألم، ولا يحفظ الاستقرار إنما يؤدي إلى الانهيار عند أول لحظة صدق لا يمكن الهروب منها. هذه اللحظة لا تكون معزولة إنما هي جزءًا من صراع داخلي أوسع نعيشه بصور مختلفة عبر مراحل حياتنا، وهو ما حاولنا تفكيكه بعمق أكبر في تحليل الصراعات الداخلية.

ربما لا نحتاج إلى إجابة نهائية عن سؤال: ماذا أريد فعلًا من حياتي؟ وربما لا يكون المطلوب مننّا أن نغيّر كل شيء، أو أن نتخذ قرارات حاسمة فورًا.
أحيانًا… يكفي أن نتوقف عن الهروب من السؤال نفسه وأن نسمح له أن يوجد ونعترف به دون استعجال، ودون خوف من الفوضى التي نتخيّلها، فالسؤال الذي يُرى بوضوح يفقد جزءًا كبيرًا من قوّته المؤلمة.

هذا المقال محاولة صادقة لإعادة الاتصال بصوتنا الداخلي بهدوء قبل أن يتحوّل الصمت الطويل إلى ثمن لا ننتبه إليه إلا متأخرًا.

قد لا نعرف ما نريده اليوم لكننا نستطيع أن نعرف ما لم يعد يشبهنا، وأن نميّز بين السلام الذي يسكّننا مؤقتًا، والصدق الذي يمنحنا انسجاماً أعمق مع أنفسنا.

في نجوم الكتب نؤمن أن القراءة – ليست هروبًا من الواقع – طريقة إنسانية لفهمه، وأن الروايات والكتب ليست حلولًا جاهزة هي مرايا نرى فيها أنفسنا بوضوح أكبر، وبقسوة أقل.

ربما لا تكون البداية الحقيقية في العثور على الإجابة…
بل في أن نكفّ عن خيانة سؤال:
ماذا أريد فعلًا من حياتي؟

أسئلة شائعة حول كيف نعيش سنوات دون أن نعرف ما نريده فعلًا؟

كيف أعرف أنني أعيش بسلام ظاهري لا بسلام داخلي؟

عندما يبدو كل شيء مستقرًا من الخارج لكن يرافقك شعور دائم بالفتور، أو الضيق غير المبرر، أو الإحساس بأنك تؤدي دورًا أكثر مما تعيش تجربة حقيقية. السلام الداخلي يمنحك انسجاماً، أما السلام الظاهري فيُسكِت الأسئلة دون أن يجيب عنها.

هل الشعور بأنني لا أعرف ما أريده يعني أنني فاشل أو غير ناضج؟

نعم، يمكن أن تستمر العلاقات لفترات طويلة شكليًا لكنها غالبًا تفتقد العمق والامتلاء. الاستمرار لا يعني الصحة دائمًا، وغياب الصدق الداخلي يظهر لاحقًا على هيئة انسحاب عاطفي أو فراغ.

ما الفرق بين فهم المشاعر ومواجهتها فعليًا؟

الفهم يمنحك وعيًا ومسافة آمنة، أما المواجهة فهي خطوة لاحقة تحتاج استعدادًا وظروفًا مناسبة. لا يجب استعجال المواجهة؛ الفهم وحده خطوة أساسية ومشروعة في حد ذاته.

مقالات مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *