خواطر

حديث القلب (2): حين يُربك الحبُّ المنطق

حديث القلب (2): حين يربك الحب المنطق .. يلتقي القلب بالعقل في منتصف الحيرة.

حين يبدأ القلب في الحكاية

في الجزء الأول من سلسة حديث القلب كتبنا عن الحبّ والاشتياق عن ذلك الخفق الخفيف الذي يُولد مع الذكرى ويُزهر بالحنين. أمّا اليوم فنحن أمام حبٍّ آخر… أكثر نضجًا وارتباكًا .. حبٍّ لا يُقاس بالكلمات، ولا يُفسَّر بالمنطق .. حبٌ يُشبه تلك اللحظة التي يلتقي فيها الضوء بالظلّ، فتتعانق المتناقضات في مشهدٍ واحدٍ لا يُعرّفه سوى الشعور.

حين يُربك الحبُّ المنطق يصبح الصواب نسبيًّا، وتتحوّل المعادلات إلى حنينٍ، والقرارات إلى صمتٍ دافئٍ لا يعرف إلا أن يحبّ.

وهنا يبدأ الجزء الثاني من سلسلتنا حديث القلب حيث تُساق الكلمات من نبضٍ يعرف طريقه حتى وهو تائه.

حديث القلب – حين يربك الحب المنطق

يحدث أن يُربكك الحبّ في أكثر لحظاتك اتّزانًا .. أن يدخل حياتك بلا موعدٍ .. كما يدخل الضوء من ثقبٍ صغيرٍ في النافذة فيملأك دفئًا وارتباكًا، فتقف بين أن تُصدّقه بعقلك أو تُسلّم له بقلبك .. لكن القلب دائمًا أجرأ من المنطق.

كنتُ أظنّ أنّ النضج يعني أن أتحكّم في مشاعري .. أن أزن كلماتي .. أن أحذر من التورّط في العاطفة .. لكنّك جئتَ كنسمةٍ تهدم كلّ حصون الحذر .. جعلتني أكتشف أنّ بعض العقول تُشفى فقط حين تُصاب بالحبّ.

أحببتك بلا خطّة .. بلا تبرير .. بلا محاولة للفهم .. كان فيك شيء يُربك توازني .. شيء يجعلني أُفكّر بك وأنا أقنع نفسي أن أنساك .. وأشتاق إليك وأنا ألوم قلبي على ضعفه .. كنتُ الحربَ والهدنةَ معًا .. المنطقَ الذي يعترض، والحنينَ الذي يُسامح.

قال لي العقلُ ذات ليلةٍ بصوتٍ متعب:
«الحبّ وجع .. لا تُغامري به».
فابتسمتُ وقلت:
«هو الوجع الوحيد الذي يجعل الحياة تستحق أن تُعاش».

ثم عاد يقول:
«ستندمين يومًا».
فأجبته وأنا أبتسم:
«رُبّ ندمٍ دافئ خيرٌ من حياةٍ باردة، وقلب لا يعرف الخفقان».

تنهّد العقلُ قائلًا:
«هو لا يشبهك».
فهمستُ بقلبٍ مطمئن:
«ولهذا أحببته .. لأن اختلافه يُكملني».

الحبّ لا يُقاس بالمنطق .. إنه إحساسٌ يتجاوز اللغة والتفكير .. يحدث في الصمت أكثر مما يحدث في الكلام .. وفي العيون أكثر مما يحدث في اللقاء .. هو تلك الارتعاشة الخفيّة حين تسمع اسم من تحب .. تلك السكينة الغريبة التي تسكنك رغم العاصفة.

أحيانًا أظنّ أن قلبي يعلّمني من جديد كيف أكون .. يعلّمني أن أكون رقيقة في صدقي .. قويّة في ضعفي .. أن أغفر دون أن أُبرّر .. وأن أشتاق دون أن أطلب .. لقد علّمني حبّك أن هناك من المنطق ما يُفسده الحساب .. وأنّ الشعور الصادق لا يحتاج إلى برهانٍ كي يكون حقيقيًّا.

وها أنا .. بعد كلّ هذا .. لا أستطيع أن أشرح لأحدٍ كيف أحببتك .. ولا لماذا بقيتَ فيّ رغم كلّ محاولات نسيانك؟! .. لكنّي أعلم أن هناك حبًّا واحدًا .. يحدث مرةً واحدة .. ويكفيك عن ألف منطق.

وهكذا يختتم حديث القلب فصله الثاني من الحكاية … حكاية حبّ لا يُقاس بموازين العقل .. حبٍّ تمرد على العقل ونام في حضن الشعور .. إنه حبٌّ يربكنا لكنه يعرّفنا بأنفسنا ويمنحنا المعنى.

وفي نجوم الكتب حيث تتناثر الخواطر كنجومٍ في سماءٍ واحدة نكتب لا لنفسّر الحبّ إنما لنمنحه مساحةً ليكون كما هو: عاطفةً تُخطئ وتُصيب لكنها تبقى أنقى ما فينا، وفي الجزء الثالث من سلسلة حديث القلب – الحب والفقد سنمضي في الحكاية حيث يغيب الحضور وتبقى الذكرى… حيث لا ينتهي الحبّ… يتحوّل إلى وجعٍ هادئٍ يسكن الذاكرة…
وإلى درسٍ جديدٍ في معنى البقاء بعد الغياب.

مقالات مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *