كتاب من الأفضل ألا نكون أبداً – ديفيد بيناتار | ضرر الوجود

كتاب من الأفضل ألا نكون أبداً – ديفيد بيناتار | ضرر الوجود
منذ صدور كتاب من الأفضل ألا نكون أبداً: ضرر المجيء إلى الوجود Better Never to Have Been الصادر عن مطبعة جامعة أكسفورد للفيلسوف ديفيد بيناتار David Benatar لم يعد النقاش حول الأخلاق محصوراً في كيفية عيش الحياة بل امتد ليشمل سؤالاً: هل كان من المفترض أن نبدأ هذه الحياة أصلاً؟
في هذا الكتاب يناقش بيناتار موضوع الوجود ويعتبره أزمة أخلاقية، ويذهب إلى ما هو أبعد من مجرد نقد مصاعب الحياة؛ فمن وجهة نظره يرى أن: المجيء إلى الوجود يسبب أضرار بالغة يتعرض لها الكائن الحي، وأن عدم الوجود (العدم) هو دائماً حالة تتفوق أخلاقياً على أي حياة ممكنة مهما بلغت درجة رفاهيتها.
بيناتار الذي يشغل منصب أستاذ الفلسفة في جامعة كيب تاون لم يكتفِ بنقد الحياة بل وسع دائرته لتشمل ما يعرف بفلسفة مناهضة التناسل Anti-natalism داعياً البشرية صراحةً إلى التوقف عن الإنجاب.
كتاب من الأفضل ألا نكون أبداً: ضرر المجيء إلى الوجود هو دليل فلسفي يفكك أوهام السعادة، ويواجهنا بحقيقة الألم الحتمي، ويضعنا أمام مسؤولية أخلاقية كبرى تجاه الأجيال التي لم تأتِ بعد.
في نجوم الكتب سنغوص في أعماق هذا الكتاب الفلسفي لنشرح كيف تمكن بيناتار من زعزعة أعمق القناعات الإنسانية وفطرة البقاء، وكيف استطاع صياغة حجة عدم التماثل الشهيرة، ولماذا يرى أن الانقراض الطوعي للجنس البشري هو أسمى فعل أخلاقي يمكننا القيام به.
حجة عدم التماثل بين الألم والمتعة
يرى بيناتار أن كل إنسان بمجرد وجوده يتعرّض لنوع من المعاناة سواء كانت واضحة أو خفية لذلك يعتبر بيناتار أن الخطأ الأكبر الذي نرتكبه عند تقييم قرار الإنجاب هو مقارنة الوجود بـ العدم، وليبدد هذا الوهم يطرح بيناتار فرضيته الشهيرة حول عدم التماثل بين الألم واللذة، والتي تعتبر الركيزة الأساسية التي يقوم عليها الكتاب وهي حجة منطقية تسعى لإثبات أن العدم يتفوق دائماً على الوجود.
1. الاحتمالات الأربعة: كيف نفهم المعادلة؟
يقسم بيناتار المقارنة بين حالة الوجود (السيناريو أ) وحالة عدم الوجود (السيناريو ب) إلى أربعة احتمالات منطقية:
- أولاً: وجود الألم (سيئ): في حالة الوجود من المحتم أن يختبر الكائن قدراً من الألم، وهذا أمر “سيئ” باتفاق الجميع.
- ثانياً: وجود اللذة (جيد): في حالة الوجود أيضاً قد يختبر الكائن لحظات من اللذة والسعادة، وهذا يُعتبر “جيداً”.
- ثالثاً: غياب الألم (جيد): في حالة العدم (عدم المجيء للوجود) يكون الألم غائباً تماماً؛ يرى بيناتار أن هذا الغياب هو أمر “جيد” بحد ذاته حتى لو لم يوجد شخص “يستمتع” بهذا الغياب.
- رابعاً: غياب اللذة (ليس سيئاً): وهنا تكمن النقطة الجوهرية؛ ففي حالة العدم يكون الكائن غائباً عن اللذات لكن بيناتار يجادل بأن هذا الغياب ليس سيئاً، ولكي يكون غياب اللذة “سيئاً” يجب أن يوجد شخص يشعر بالحرمان أو النقص وهو ما لا يتوفر في حالة من لم يولد أصلاً.
2. لماذا ينتصر العدم منطقياً؟
عند مقارنة هذه الاحتمالات نجد أن حالة العدم (السيناريو ب) تحتوي على “خير” (غياب الألم) ولا تحتوي على أي “سوء” (لأن غياب اللذة فيها ليس سيئاً). في المقابل حالة الوجود (السيناريو أ) تحتوي على “سوء حتمي” (الألم) مقابل “خير” (اللذة).
بمعنى آخر: المجيء للوجود هو مقامرة يمكن أن تخسر فيها الكثير (الألم) بينما عدم المجيء هو فوز مضمون لأنه يجنب الكائن كل ألم دون أن يجعله يفتقد أي لذة.
3. أمثلة توضيحية من فكر بيناتار
ليقرب الصورة يطرح بيناتار أمثلة تجعلنا ندرك هذا الفارق:
- المريخ: نحن نشعر بالأسى والحزن إذا علمنا أن هناك كائنات تعاني على كوكب المريخ (لأن الألم سوء) لكننا لا نشعر بأي حزن أو أسى تجاه عدم وجود كائنات سعيدة على المريخ (لأن غياب اللذة في العدم ليس سيئاً).
- واجب عدم الإنجاب مقابل واجب الإنجاب: يرى معظم الناس أن هناك واجباً أخلاقياً يمنعنا من إنجاب طفل “سيعاني” من أمراض وراثية قاسية (بسبب غياب الألم الجيد). ولكن لا أحد يرى أن هناك واجباً أخلاقياً يُلزمنا بإنجاب طفل “سيكون سعيداً” لمجرد زيادة كمية اللذة في الكون، وهذا يؤكد أننا نهتم بتجنب الألم أكثر بكثير من اهتمامنا بخلق لذات جديدة لكائنات غير موجودة.
إن المجيء للوجود بالنسبة لبيناتار هو ضررٌ صافٍ حتى لو كانت الحياة مليئة باللذات، فنحن لم نكن نفتقدها لو لم نوجد، ولكن بوجودنا أصبحنا عرضة للألم والموت والشيخوخة.
العدم هو السلام المطلق الذي لا يحتاج لتعويض بينما الوجود أزمة تبحث دائماً عن حلول.
خديعة التفاؤل: لماذا حياتنا أسوأ بكثير مما نظن؟
قد يبدو أن ادعاء بيناتار بأن الوجود ضررٌ دائم ادعاء مبالغ فيه خاصة وأن الكثير من الناس سيقولون: “نحن مستمتعون بحياتنا، والسعادة فيها تفوق الألم”. لهذا يخصص بيناتار فصلاً كاملاً يثبت فيه أن تقييمنا الذاتي لجودة حياتنا هو تقييم غير موثوق ومتحيز لأننا نرى الحياة كما نريد أن نراها لا كما هي في الواقع محمّلة بقدر كبير من المعاناة.
يفسر بيناتار ذلك بأن هناك ثلاث آليات سيكولوجية وتطورية تعمل معاً تجعلنا نرى الحياة بشكل مقبول أكثر من حقيقتها:
1. تأثير بوليا – التحيز للتفاؤل
يشير هذا المصطلح إلى ميل العقل البشري الممنهج نحو التفاؤل غير الواقعي. لقد وجد علماء النفس أن البشر يميلون لتذكر الأحداث الإيجابية بشكل أقوى بينما يسعون لنسيان أو تهميش الأحداث السلبية.
يرى بيناتار أن هذا الانحياز ما هو إلا آلية بقاء طورتها الطبيعة، فلو أدرك البشر حجم المعاناة الحقيقي لتوقفوا عن البقاء والتناسل.
نحن نعيش في فقاعة تفاؤل ضرورية بيولوجياً لكنها كاذبة فلسفياً
2. التكيف
البشر لديهم قدرة هائلة على التأقلم فإذا تعرض شخص لحادث فقد فيه أطرافه، فإنه بعد فترة من الزمن يتكيف وتعود مستويات سعادته لتقترب مما كانت عليه سابقاً.
يرى بيناتار أن هذا التكيف يجعلنا نخطئ في تقييم جودة حياتنا. نحن نقيس سعادتنا بمدى تحسن ظروفنا الحالية، وليس بالجودة الموضوعية للحياة. نحن مثل السجناء الذين اعتادوا على زنزاناتهم لدرجة أنهم بدأوا يجدون الجدران الرطبة مريحة، وهذا لا يعني أن السجن مكان جيد بل يعني أن السجين تأقلم مع السوء.
3. المقارنة النسبية
عندما نسأل شخصاً: “هل حياتك جيدة؟” فإنه عادة ما يجيب بناءً على مقارنة نفسه بالآخرين، فإذا كان بصحة جيدة وجيرانه مرضى سيقول “أنا بخير”.
يعتبر بيناتار هذا خطأ منطقي، فكونك “أفضل حالاً من غيرك” لا يعني أن حالتك جيدة في حد ذاتها، وإذا كان الجميع يعانون فمعاناتك الأقل لا تعني غياب الضرر بل تعني أنك أقل تضرراً فقط.
4. الإنكار: الآلام التي نتجاهلها
يطرح بيناتار قائمة لما يسميه الآلام المزمنة التي تمر دون أن نلحظها بسبب تراكمها:
- الحاجات البيولوجية المستمرة: نحن نقضي حياتنا في مطاردة إشباع الجوع، العطش، التبول، النوم بمجرد أن نشبع حاجة تظهر أخرى. الحياة هي سلسلة لا تنتهي من “الرغبات التي هي في الأصل نقص وألم”.
- المضايقات اليومية: الحرارة الشديدة، البرد القارس، الازدحام المروري، الملل، التعب الجسدي، القلق الصغير بشأن المستقبل.
- النهاية الحتمية: حتى في حالة أفضل حياة للعيش هناك فصول أخيرة مأساوية تتضمن الضعف، الشيخوخة، المرض، ثم فقدان كل شيء بالموت.
لهذا يعتبر بيناتار جودة الحياة وهم سيكولوجي، فنحن نعيش في حالة من العجز الدائم ونحاول تجميلها بانتصارات صغيرة وعابرة. لو فكرنا بعمق وتجردنا من انحيازاتنا البيولوجية لأدركنا أن حجم الألم في أي حياة بشرية – مهما كانت مرفهة – هو حجم هائل لا يمكن تبريره أخلاقياً.
التناسل والمسؤولية الأخلاقية
لماذا الإنجاب مقامرة؟
بعد أن أسس بيناتار لقاعدة أن الوجود يحمل ضرراً حتمياً يطرح سؤالاً : بأي حق نقرر إحضار كائن جديد إلى هذا العالم؟ من خلال هذا السؤال يفكك بيناتار الدوافع البشرية للإنجاب ويحلل مفهوم الموافقة والمصلحة من منظور أخلاقي.
1. خرافة الإنجاب من أجل الطفل
من أكثر الجمل شيوعاً التي نسمعها هي: “أردت إنجاب طفل لأمنحه حياة سعيدة” يرى بيناتار أن هذا المنطق مغالطة فلسفية كبرى؛ فقبل الوجود لا يوجد طفل لديه مصلحة في أن يُخلق.
حسب وجهة نظر بيناتار لا يمكننا عمل معروف لشخص غير موجود عن طريق إيجاده؛ المصلحة تبدأ فقط بعد الوجود. لذا فإن الدافع الحقيقي للإنجاب هو دائماً دافع “أناني” (إرضاء غريزة الأبوة، الرغبة في الاستمرار والخلود، الضغط الاجتماعي، أو حتى الونس) ولكن الثمن يدفعه الشخص الجديد الذي سيعاني ويموت حتماً.
2. غياب الموافقة والمقامرة الوجودية
في الأخلاق المعاصرة يُعتبر المساس بجسد الآخر أو مصيره دون إذن مسبق فعلاً غير أخلاقي، وبما أنه من المستحيل أخذ موافقة الكائن المحتمل قبل خلقه، فإن اتخاذ الوالدين قراراً بالنيابة عنه يحمل مخاطر هائلة.
يعتبر بيناتار أنّ الإنجاب مقامرة بكل ما تحمله الكلمة من معنى لكن المقامر “الأب والأم” والرهان “حياة الطفل” حتى لو كانت فرص السعادة 90%، فإن الـ 10% من احتمال المعاناة الشديدة (مرض، فقر، اكتئاب) تجعل المقامرة غير أخلاقية لأنه لا يحق لنا المقامرة بمصير شخص آخر دون أن يستفيد هو من نجاح المقامرة (لأنه في العدم لم يكن يحتاج للسعادة أصلاً).
3. واجب عدم الإضرار يتفوق على فعل الخير
يفرق الفلاسفة بين نوعين من الواجبات:
- واجب عدم الإضرار بالآخرين
- واجب تقديم الخير للآخرين
يرى بيناتار بأن واجبنا في عدم التسبب بضرر الألم والموت لطفل محتمل هو واجب قطعي وإلزامي بينما توفير اللذة ليس واجباً تجاه كائن غير موجود.
بعبارة أبسط: نحن لسنا ملزمين بإنجاب أشخاص سعداء لكننا ملزمون أخلاقياً بعدم إنجاب أشخاص سيعانون، وبما أن كل شخص يولد سيعاني حتماً فإن الواجب الأخلاقي يحتم علينا التوقف عن الإنجاب.
4. الحق في التناسل
هل التناسل حق مطلق؟
ينتقد بيناتار بشدة القوانين والأعراف التي تمنح البشر حقاً مطلقاً في الإنجاب دون قيد أو شرط حيث يرى أن حقوق الكائنات المحتملة في ألا تتعرض للضرر يجب أن تسبق حق الوالدين في إشباع رغباتهم البيولوجية.
فإذا كان المجتمع يمنع الناس من إيذاء الأطفال، فلماذا يسمح لهم بإنجاب الأطفال وإقحامهم في عالم مليء بالأذى؟
لذلك يعتبر بيناتار التناسل عبء نفرضه على الأطفال لإشباع حاجاتنا نحن، وأن الموقف الأخلاقي الأكثر نبلاً وتضحية هو أن نقمع رغبتنا في الإنجاب لنحمي أطفالنا المحتملين من حتمية الألم، الشيخوخة، والموت.
الإجهاض – الانقراض وضرر الوعي
في هذا الجزء من الكتاب يطبق بيناتار فلسفته على قضايا مصيرية محاولاً الإجابة على التساؤل: إذا كان الوجود ضرراً فكيف يجب أن نتعامل مع الأجنة الموجودة بالفعل؟ وما هو المستقبل المثالي لكوكب الأرض؟
1. الموقف من الإجهاض
منع الضرر قبل فوات الأوان
يطرح بيناتار وجهة نظر مثيرة للجدل حول الإجهاض تختلف عن السجال التقليدي بين المؤيدين للحياة والمؤيدين للاختيار.
يرى بيناتار حسب فلسفته أنّ الإجهاض في المراحل المبكرة (قبل أن يطور الجنين وعياً أو قدرة على الشعور بالألم) ليس مجرد حق للمرأة فقط بل هو فعل إيجابي تجاه الجنين نفسه.
من خلال الإجهاض نحن نمنع هذا الكائن من المجيء إلى الوجود، وبالتالي نحميه من مئات الآلاف من ساعات المعاناة والشيخوخة والموت الحتمي. لأن احتمال الضرر الذي يلحق بالجنين جراء عدم الوجود هو صفر بينما الضرر الذي يلحق به جراء الولادة ضرر كامل ومستمر.
2. الانقراض البشري الطوعي
يرى بيناتار بأن النتيجة المنطقية والأخلاقية الوحيدة لقبول فكرة أن الوجود ضرر هي أن يتوقف البشر عن التناسل تماماً والامتناع عن الإنجاب.
يتخيل بيناتار نهاية تدريجية وهادئة للجنس البشري حيث يتوقف كل جيل عن إنجاب الجيل الذي يليه، وبذلك يصبح العالم أفضل لأنه خالٍ من البشر، من الألم، الظلم، الجوع، والحروب. وبالتالي غياب السعادة في هذا العالم الخالي لن يُحزن أحداً لأن لا أحد هناك ليشعر بالحزن.
3. معاناة الحيوانات
يوسع بيناتار رؤيته لتشمل كل الكائنات الحية، فينتقد حياة الحيوانات في البرية ويعتبرها سلسلة من الرعب، الجوع، الافتراس، والمرض.
ويرى أننا كما يجب أن نتوقف عن إنجاب البشر يجب أن نتوقف أيضاً عن استغلال الحيوانات وتكاثرها كما في المزارع الصناعية لأننا بذلك نضاعف من كمية المعاناة الكونية.
4. الرد على حجة الحفاظ على النوع
يرد بيناتار على الذين يقولون إن لدينا واجباً في الحفاظ على الجنس البشري من الانقراض بسؤال: “واجب تجاه من؟”
لا يمكن أن يكون لدينا واجب تجاه الحفاظ على الجنس البشري إذا كان هذا الواجب يتطلب التضحية بالأفراد وإقحامهم في المعاناة. النوع لا يشعر بالألم بينما الأفراد هم من يشعرون لذا فإن مصلحة الأفراد في عدم الوجود تتفوق على مصلحة الحفاظ على الجنس البشري في الاستمرار.
بهذا يرى بيناتار أن البطولة الحقيقية للبشرية تكمن في قدرتها على اتخاذ قرار جماعي شجاع بوضع حد لدوامة المعاناة من خلال إنهاء الوجود الإنساني بسلام.
الرد على الاعتراضات
الفرق بين حياة لا تستحق البدء وحياة لا تستحق الاستمرار
أدرك ديفيد بيناتار أن أفكاره لن تلقَ قبولاً في الأوساط الدينية والاجتماعية لذلك خصص جزءاً حيوياً من كتابه للرد على الاعتراضات موضحاً أن موقفه ليس سوداوياً بل موقف واقعي مبني على الشفقة.
1. لماذا لا ينتحر مناهضو التناسل؟
هذا السؤال الأكثر شيوعاً الذي واجهه بيناتار: “إذا كان الوجود شراً فلماذا لا تنهي حياتك الآن؟”
للإجابة على هذا السؤال يميز بيناتار بين نوعين من الحياة:
- حياة لا تستحق البدء
- حياة لا تستحق الاستمرار
يرى بيناتار أن عدم المجيء إلى الوجود لا يكلفنا شيئاً (صفر ضرر) لكن بمجرد أن نوجد تنشأ لدينا مصالح في البقاء وروابط عاطفية، ويصبح الموت بحد ذاته عملية مؤلمة ومرعبة ومؤذية للآخرين.
نحن عالقون في الوجود والانتحار هو محاولة للخروج من بابٍ مؤلم للغاية بينما مناهضة التناسل هي دعوة لعدم الدخول من الباب أصلاً.
2. اعتراض على الاستمتاع بالحياة
يقول البعض: “أنا سعيد بوجودي، وأشكر والديّ لأني جئت للعالم”
يرى بيناتار أن هذا الشعور هو انحياز استرجاعي؛ بما أنك موجود بالفعل فأنت مبرمج لتحب حياتك وتتمسك بها لكن لو لم توجد فإنّك لن تشعر بأي نقص أو حزن لغياب هذه السعادة.
هل من العدل أن نقامر بإحضار 10 أطفال 9 منهم سعداء وواحد يعاني عذاباً لا يطاق؟ يرى بيناتار أن سعادة التسعة لا تبرر أخلاقياً آلام الواحد لأن التسعة لم يكونوا محتاجين للسعادة قبل وجودهم بينما الواحد تعرض لـ ظلم حقيقي بإحضاره للمعاناة.
3. الموت ضرر إضافي
في الفصل الأخير من الكتاب يناقش بيناتار الموت على أنه جزء من ضرر الوجود.
يرى أن الوجود مأزق حقيقي؛ فمن جهة الحياة مليئة بالآلام، ومن جهة أخرى الموت يمثل ضرراً كبيراً لأنه ينهي الوجود الذي أصبحنا مهتمين به، ويسبب ألماً للمحيطين بنا.
هذا الفخ – ألم الحياة وألم الموت – هو ما يجعل بيناتار يصر على أن الحل الوحيد الأخلاقي هو منع الوجود من البداية لنتجنب هذه الثنائية البائسة.
4. هل مناهضة التناسل دعوة للاكتئاب؟
يؤكد بيناتار أن فلسفته لا تدعو للحزن والاكتئاب إنما تهدف لنشر التعاطف الوجودي عندما ندرك أن الوجود ضرر سنصبح أكثر لطفاً مع الأحياء وسنصبح أكثر حرصاً على عدم توريط كائنات جديدة في هذا المأزق.
وختاماً في نجوم الكتب نرى أن كتاب من الأفضل ألا نكون أبداً لـ ديفيد بيناتار دعوة لمراجعة أعمق أفعالنا البشرية قدسية: “التناسل”؛ من خلال حججه يجبرنا على التساؤل: هل ننجب الأطفال لأننا نحبهم أم لأننا نحب أنفسنا ونخاف من الفراغ؟
رسالة الكتاب رغم قسوتها هي رسالة رحمة في جوهرها تطالبنا بأن نكون الجيل الأخير الذي يتحمل عبء الوجود لكي نمنح السلام الأبدي لكل الأجيال التي لن تأتي.
ولا يمكن قراءة أفكار ديفيد بناتار بمعزل عن النقاشات الوجودية الأوسع؛ فبينما يعيد بناتار النظر جذريًا في فكرة الوجود ذاته نجد في أسطورة سيزيف لألبير كامو مواجهة مختلفة للعبث تقوم على التمرد والاستمرار. في حين يذهب هكذا تكلم زرادشت لفريدريك نيتشه إلى تمجيد الحياة رغم الألم باعتبارها ساحة للتجاوز والقوة. وعلى مستوى آخر يفتح كتاب من أنا؟ وإن كنت كذلك فكم أنا؟ لريتشارد ديفيد بريشت باب التساؤل حول الهوية ذاتها، وهو ما يضيف بعدًا جديدًا لفهم التجربة الإنسانية التي يناقشها بناتار من جذورها. هذا التشابك بين هذه الأعمال يمنح رؤية أوسع حيث لا تبقى فكرة الوجود حبيسة منظور واحد بل تتحول إلى حوار فلسفي مفتوح بين الرفض، والتمرد، والفهم.



