ملخصاتكتب فلسفة وفكر

كتاب التعاطف الانتحاري: الموت من أجل اللطف – جاد سعد

كتاب التعاطف الانتحاري: الموت من أجل اللطف – جاد سعد

هل يقتلنا لطفنا الزائد

اعتدنا النظر إلى التعاطف باعتباره إحدى أنبل الصفات الإنسانية؛ القوة الأخلاقية التي تمنع العالم من التحول إلى مكان أكثر قسوة ووحشية. والتاريخ البشري كله تقريبًا قام على فكرة بسيطة: لا يمكن للمجتمعات أن تستمر دون قدر من الرحمة والقدرة على الشعور بالآخر.

لكن جاد سعد في كتابه Suicidal Empathy: Dying to Be Kind يقلب هذه الفكرة رأسًا على عقب حين يطرح سؤالًا:
ماذا لو تحول التعاطف نفسه إلى نقطة ضعف قاتلة؟ وماذا لو أصبحت الرغبة المستمرة في الظهور بمظهر الإنسان المتسامح سببًا في فقدان المجتمعات لقدرتها على حماية نفسها؟

يرى سعد أن بعض المجتمعات الحديثة وصلت إلى مرحلة بالغت فيها في التعاطف مع أفكار وسلوكيات تتعارض – بحسب رؤيته – مع قيمها الأساسية حتى أصبح الحرج من قول “لا” يُقدَّم أحيانًا بوصفه فضيلة أخلاقية. من هنا ظهر مفهوم التعاطف الانتحاري أي ذلك النوع من التعاطف الذي ينفصل عن الواقع والمنطق إلى درجة قد تجعله يعمل ضد مصلحة المجتمع نفسه.

وقد أثار الكتاب جدلًا واسعًا منذ صدوره خاصة بعد إشادة إيلون ماسك به واعتباره واحدًا من الكتب التي تلامس ما يصفه بـ جوهر الضعف في الحضارة الغربية. وبين مؤيدٍ يرى فيه تشخيصًا جريئًا لأزمة ثقافية حقيقية، ومعارضٍ يعتبره طرحًا مبالغًا فيه يبقى السؤال الذي يطرحه الكتاب: هل يمكن للنية الطيبة وحدها أن تقود إلى نتائج كارثية؟

إذا أعجبتك اختياراتنا للكتب ولمتابعة كل ما هو جديد… تابعنا، واجعل نجوم الكتب مصدر مفضل على جوجل

في كتاب التعاطف الانتحاري يناقش جاد سعد كيف قد يؤدي الإفراط في اللطف إلى استنزاف نفسي واجتماعي حين تصبح المشاعر أهم من المنطق، ويتحول الخوف من المواجهة إلى شكل خفي من أشكال الانهيار البطيء.

من هو جاد سعد؟

جاد سعد أستاذ جامعي وباحث في علم النفس التطوري بجامعة كونكورديا الكندية؛ عُرف بكتاباته المثيرة للجدل حول الثقافة الحديثة والسلوك الإنساني خاصة في كتابه الشهير العقل الطفيلي The Parasitic Mind. ينطلق سعد من رؤية تعتبر أن الإنسان لا يمكن فهمه بعيدًا عن غرائز البقاء والتطور البيولوجي التي تشكلت عبر آلاف السنين.

لهذا يتعامل مع القيم الإنسانية على أنّها آليات وظيفية يفترض أن تساعد الفرد والمجتمع على الاستمرار والبقاء، ومن هنا بدأ مشروعه الفكري: ماذا يحدث عندما تتحول بعض القيم النبيلة إلى عوامل تُضعف القدرة على الدفاع عن النفس؟

في كتاب التعاطف الانتحاري يضع سعد مفهوم التعاطف تحت المجهر محاولًا إثبات أن التعاطف حين ينفصل عن الحكمة والواقع قد يتحول إلى ما يشبه “العطب الحضاري”. وهي المرحلة التي يصبح فيها المجتمع – بحسب رؤيته – خائفًا من مواجهة الأفكار الخطرة أو قول الحقائق الواضحة خوفاً من أن يبدو قاسيًا أو غير متسامح.

يشرح سعد فكرته عبر مفهوم الأفكار الطفيلية وهي أفكار يرى أنها تتسلل إلى الوعي الجمعي بالطريقة نفسها التي تعمل بها الطفيليات في الطبيعة؛ إذ تعطل آليات الدفاع، وتجعل المضيف يتصرف ضد مصلحته الحقيقية بينما يظن في الوقت نفسه أنه يتصرف أخلاقيًا.

لهذا يبدو الكتاب أقرب إلى تحذير فكري من مجتمع بدأ يربط الحزم بالقسوة، ويربط الدفاع عن الهوية أو الحقيقة أو الحدود الأخلاقية بنقص التعاطف. ومن وجهة نظر سعد فإنّ أخطر ما قد تواجهه أي حضارة ليس الهجوم الخارجي فقط بل أن تفقد تدريجيًا قدرتها على حماية نفسها من الداخل وهي تظن أنها تمارس الفضيلة.

يقدم جاد سعد في كتابه دعوة لإعادة التوازن بين الرحمة والبقاء، بين التعاطف والحكمة، وبين النية الطيبة والنتائج الواقعية. ويبقى السؤال الذي يتركه الكتاب معلّقًا في الأذهان حتى الصفحة الأخيرة:
هل يمكن أن يتحول الإفراط في اللطف إلى شكل بطيء من أشكال الانهيار؟

الإيثار المرضي: حين يتحول التعاطف إلى ضرر غير مقصود

في أحد أهم فصول الكتاب يستند جاد سعد إلى مفهوم نفسي يُعرف باسم الإيثار المرضي Pathological Altruism وهي الحالة التي يتحول فيها فعل الخير إلى مصدر للأذى بسبب غياب القدرة على تقدير العواقب الواقعية. لذلك قد يقود التعاطف أحيانًا إلى نتائج عكسية تمامًا لما كان يُفترض أن يحققه.

يضرب علماء النفس مثالًا: شخص يقفز لإنقاذ غريق رغم أنه لا يجيد السباحة: النية نبيلة بلا شك لكن النتيجة قد تكون غرق شخصين بدلًا من شخص واحد. ومن هذا المثال ينتقل سعد إلى المجتمعات الحديثة معتبرًا أن بعض أشكال التعاطف السياسي والثقافي تعمل بالطريقة نفسها؛ إذ تتحول الرغبة في الاحتواء وعدم الإقصاء إلى قرارات قد تُضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه أو الحفاظ على توازنه الداخلي.

من خلال ما سبق يبدأ الكتاب في تفكيك ما يسميه فخ اللطف، ففي نظر جاد سعد أصبحت بعض المجتمعات تخشى الاعتراض على أفكار أو سلوكيات معينة لأنها تخشى الوصم الاجتماعي أو الاتهام بقلة التعاطف أو التعصب. ومع الوقت تصبح المشكلة الخوف من أن يبدو الإنسان قاسيًا حتى عندما يحاول الدفاع عمّا يراه حقيقة أو ضرورة.

ويذهب سعد أبعد من ذلك حين يناقش ما يشبه عقدة المنقذ وهي الحالة النفسية التي يشعر فيها بعض الأفراد بتفوق أخلاقي ناتج عن التضحية المستمرة بحدودهم أو بمصالحهم أو حتى بإحساسهم الواقعي بالخطر من أجل الحفاظ على صورة مثالية عن ذواتهم بوصفهم أكثر رحمة وإنسانية.

بحسب طرح الكتاب: التعاطف عندما ينفصل عن الحكمة قد يتحول تدريجيًا إلى نوع من العمى الأخلاقي حيث تصبح العاطفة وحدها أداة اتخاذ القرار بينما يتراجع المنطق أو القدرة على التمييز بين ما يساعد فعلًا وما يؤدي إلى نتائج مدمرة على المدى البعيد.

ولهذا يحاول جاد سعد طرح سؤال: هل يمكن أن يصبح التعاطف خطرًا حين يفقد قدرته على رؤية الواقع كما هو؟

تشريح فكرة الانتحار الأخلاقي – هل يقتلنا لطفنا الزائد؟

هل يمكن أن تتحول الفضيلة نفسها إلى مصدر للخطر؟

للإجابة عن هذا السؤال يميز سعد بين نوعين مختلفين من التعاطف:

  • النوع الأول: التعاطف العقلاني Cognitive Empathy أي القدرة على فهم مشاعر الآخر ومعاناته دون فقدان القدرة على التفكير المنطقي واتخاذ القرار الواقعي.
  • النوع الثاني: التعاطف العاطفي Affective Empathy فيه تتحول المشاعر إلى القوة الوحيدة التي تقود الحكم على الأشياء حتى لو تعارضت مع النتائج الفعلية على المدى البعيد.

بحسب طرح الكتاب تبدأ المشكلة عندما تصبح المشاعر بديلًا عن القدرة على التقييم العقلاني، وهذا ما استند عليه جاد سعد ويُعرف في علم النفس بـ الإيثار المرضي وهي الحالة التي قد يقود فيها فعل الخير نفسه إلى نتائج مدمرة بسبب غياب تقدير العواقب الواقعية.

يضرب الكتاب أمثلة على مجتمعات أصبحت – بحسب رؤيته – تخشى الاعتراض أو وضع الحدود أو حتى الدفاع عن بعض الحقائق الواضحة خوفًا من أن تُتهم بالقسوة أو نقص التعاطف لكن مع الوقت تحول الهدف إلى تجنب الإدانة الأخلاقية والاجتماعية.

يناقش جاد سعد ما يسميه الهشاشة السيادية أي الحالة التي تبدأ فيها المجتمعات بالتنازل التدريجي عن بعض مبادئها الأساسية تحت ضغط الرغبة المستمرة في الظهور بمظهر أكثر تسامحًا وإنسانية. وفي نظره يكمن الخطر الحقيقي حين تتحول الحساسية العاطفية إلى عامل يعطل القدرة على التمييز بين الرحمة الحكيمة والتسامح الذي قد يعمل ضد استقرار المجتمع نفسه.

كما يتوقف الكتاب عند ما يمكن تسميته بـ عقدة المنقذ حيث يشعر بعض الأفراد بنوع من التفوق الأخلاقي الناتج عن التضحية المستمرة بحدودهم أو بمصالحهم أو حتى بإحساسهم بالخطر من أجل الحفاظ على صورة مثالية عن ذواتهم بوصفهم أكثر رحمة وتقبلًا للآخر.

مما سبق لا يدعو جاد سعد المجتمعات لاستخدام القسوة بل يحاول الدفاع عن فكرة أن الرحمة لكي تبقى قيمة إنسانية حقيقية تحتاج أيضًا إلى قدر من الحكمة والقدرة على رؤية النتائج لا الاكتفاء بالنوايا الطيبة وحدها.

هل يتحول اللطف أحيانًا إلى استنزاف صامت؟

من أكثر الأفكار التي تجعل كتاب التعاطف الانتحاري قابلًا للإسقاط على واقعنا اليومي أنه لا يتحدث عن السياسة أو الثقافة الغربية فحسب بل عن الطريقة التي يفهم بها الإنسان معنى الطيبة وحدودها.

فعندما ننظر إلى كثير من العلاقات والسلوكيات الاجتماعية في مجتمعاتنا سنجد أن اللطف يرتبط أحيانًا بفكرة الاستنزاف؛ كأنّ القدرة على قول “لا” أصبحت مرتبطة بالأنانية أو قلة الذوق أو ضعف الأخلاق. لهذا يقبل كثير من الناس أعباء نفسية وعاطفية لا يريدونها فقط خوفًا من الشعور بالذنب أو من نظرة الآخرين إليهم.

بهذا يمكن فهم فكرة الإيثار المرضي بصورة أقرب إلى حياتنا اليومية؛ حين يتحول التعاطف إلى تجاهل مستمر للحدود الشخصية، أو عندما تصبح المجاملة أسلوبًا دائمًا لتجنب المواجهة حتى لو كان الثمن هو الضغط النفسي أو الاستنزاف العاطفي.

يظهر هذاالنوع من الإيثار في تعاملاتنا اليومية من خلال السعي لإرضاء الآخرين حيث يشعر الفرد بقيمته فقط عندما يكون متاحًا، متفهمًا، ومتسامحًا دائمًا حتى على حساب راحته أو احتياجاته الخاصة. وفي كثير من الأحيان يكون الدافع الحقيقي لذلك الخوف من الرفض أو من فقدان القبول الاجتماعي.

ويثير الكتاب سؤالًا حول التربية: هل نعلّم الأطفال اللطف بمعناه الحقيقي أم نعلّمهم تجاهل حدودهم الخاصة؟
فالفرق كبير بين أن يكون الإنسان رحيمًا، وبين أن يصبح عاجزًا عن الدفاع عن نفسه أو التعبير عن رفضه خوفًا من أن يبدو قاسيًا أو غير مهذب.

فالتعاطف حين ينفصل عن الحدود والحكمة قد يتحول تدريجيًا من قيمة إنسانية إلى شكل خفي من أشكال الاستنزاف النفسي والاجتماعي لذلك يحاول جاد سعد لفت الانتباه إلى أن الإنسان لا يستطيع مساعدة الآخرين بصورة صحية إذا كان يفقد نفسه بالكامل في محاولة إرضائهم طوال الوقت.

توازن الحكمة في عالم فقد بوصلته

في نهاية كتاب التعاطف الانتحاري يتساءل جاد سعد: ماذا يحدث عندما يفقد التعاطف قدرته على رؤية العواقب؟

لا يدافع جاد سعد عن القسوة بقدر ما يحذر من التعاطف الذي ينفصل عن المنطق تمامًا كما يحذر في الوقت نفسه من العقل حين يتحول إلى برود خالٍ من الإنسانية. وبين هذين الطرفين يحاول سعد البحث عن نوع من التوازن؛ تعاطف لا يلغي الحدود، وحزم لا يفقد الإنسان قدرته على الرحمة.

فعندما تبدأ المجتمعات في التضحية بالحقيقة أو بالقدرة على المواجهة خشية من أن تبدو قاسية أو غير متسامحة يصبح السؤال: هل ما زلنا قادرين على التمييز بين الرحمة والحكمة؟

وإذا كان كتاب التعاطف الانتحاري يحاول تفكيك اللحظة التي يتحول فيها اللطف إلى استنزاف، فإن كتاب العقل الطفيلي لجاد سعد يذهب أعمق في الجذور الفكرية لهذه الأزمة متتبعًا كيف تستطيع بعض الأفكار أن تعطل قدرة الإنسان على التفكير النقدي. أما كتاب هذا الألم ليس ألمي يكشف كيف يمكن للذنب والخوف والأنماط العاطفية الموروثة أن تدفع الإنسان إلى التضحية بنفسه لإرضاء الآخرين دون أن يدرك ذلك، كما أنّ أفكار الكتاب تشترك مع رؤية رينيه جينو في هيمنة الكم وعلامات آخر الزمان خاصة في حديثه عن المجتمعات التي تفقد تدريجيًا قدرتها على التمييز بين الحقيقة والانفعال، وبين الحكمة والاندفاع العاطفي.

في نجوم الكتب نعتبر كتاب التعاطف الانتحاري محاولة لفهم التوتر المعقد بين التعاطف والحكمة، وبين حماية الإنسان لذاته وقدرته على البقاء إنسانًا في الوقت نفسه؛ كيف يمكن للإنسان أن يبقى رحيمًا دون أن يفقد قدرته على حماية نفسه وحدوده وقيمه في الوقت نفسه؟

ففي زمنٍ أصبحت فيه المشاعر تقود كثيرًا من النقاشات العامة يذكّرنا الكتاب بأن التعاطف الحقيقي لا يعني إلغاء العقل تمامًا كما أن الحزم لا يعني غياب الإنسانية، وربما يكون التوازن بين الاثنين هو أصعب ما تحاول الحضارات – والأفراد أيضًا – الوصول إليه.

مقالات مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *